الجمعة، 26 يوليو 2013

حتى تكون خصمي، يجب أن تكون شيطاناً كاملاً وإلا ...

"المعتصمين في رابعة العدوية يمارسون جهاد المناكحة"   
"المعتصمين في ميدان التحرير يمارسون الدعارة"
"المعتصمين في رابعة يحتشدون بسبب تقديم وجبات إفطار وسحور"         
"المعتصمين في التحرير يأكلون الكنتاكي مجاناً"
"المعتصمين في رابعة متشددين" 
"المعتصمين في التحرير يفطرون في نهار رمضان"

وتستمر التهم .. وتستمر محاولات دفع التهم .. وتستمر محاولات إثبات التهم ..

وبعد حين نسأل أنفسنا: ما كان أصل الخلاف؟ وهل هذه هي حقاً الأسباب التي حشدتنا في معسكرين مختلفين؟

يبدو أننا لا نستطيع أن نتخذ خصماً لأسباب سياسية أو فكرية فقط، بل يجب أن نشيطنه أخلاقياً واجتماعياً ..

كان في منهاج دراستنا في الجامعة مادة عن كيفية إجراء البحث الأكاديمي، وكان من الأساسيات التي تُدرَّس في هذه المادة ما يسمى بالأخطاء المنطقية logical fallacies. وهذه التسمية تعبر عن أساليب في النقد والاختلاف تبدو منطقية إلا أنها خاطئة.
وكان منها
ما يسمى بـ ad hominem ولست أعرف ترجمة حرفية للتسمية إلا أنها تشير إلى أسلوب في الخطاب أو النقد يهاجم شخص الخصم الفكري أو السياسي بدل فكرته أو توجّهه السياسي. وكانت تُعطَى لنا تدريبات في هذه المادة نطالب فيها باستخراج هذه الأخطاء من كتابات لكتّاب كبار، وكانت الفكرة والعملية برمّتها عبقرية بالنسبة لي لأنها أرتني فيما أقرأ أشياء ما كنت أراها من قبل ..
وكانت عبقرية لأنني بدأت أنتبه كيف يضيع جوهر الخلاف في تفرعات لا علاقة لها .. وهي قد لا تكون تفرعات ثانوية أو هامشية إلا أنه قد لا يكون هذا زمانها أومكانها الصحيحين. فمثلاً .. وجود دعارة في مجتمعات مشكلة حقيقية يجب بحثها ومواجهتها ولكن ليس هذا مكانها ولا حينها ..

لماذا نسعى أن نثبت أن خصمنا السياسي منحل أخلاقياً؟ ألا يمكن أن يكون منحرفاً سياسياً ومتزناً أخلاقياً أوملتزماً دينياً؟

كان سيدنا علي رضي الله عنه يحارب الخوارج ويقارعهم وهو يشهد لهم بالإيمان وبحسن العبادة، ولكنهم منحرفون سياسياً وهذا كاف! كان رضي الله عنه يقول: " إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا" .. ولعل هذا تفسير عملي لوصف رسول الله المؤمن بأنه إذا خاصم لا يفجر ..

ثم .. هل هذا حقاً ما يعنينا في الموقف؟
يعني لنفترض أن المحتشدين في التحرير لا يمارسون الدعارة ولا يفطرون في رمضان - وأنا هنا لا أثبت ولا أنفي شيئاً - فلو كان الوضع كذلك هل يختفي أصل الخلاف وهل تزول دواعي التدافع؟

الحقيقة أن هذا الاتجاه في الخصومة يفسره أحد أمرين، أما الأول فهو أننا لا نرى الخلاف السياسي مبرراً أو كافياً مالم يصحبه جرم أخلاقي. وهذا متوقع مننا كشعوب لم تعتد أن تكون السياسة موضع خلاف وقد لا تحسن معالجة الخصومة فيها ..
أما الثاني فهو الحشد أي استفزاز أولئك الذين لا يستطيعون تكوين رأيي سياسي ولكنهم بلاشك يستطيعون تكوين موقف أخلاقي. مثلاً كم عدد الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانقلابات العسكرية عبر التاريخ في مقابل الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانحلال الجنسي؟ وكم عدد المدركين لمساوئ الثيوقراطية في مقابل الذين يدركون مساوئ العنف والإرهاب؟

والملفت للنظر أن التهم التي يتبادلها الطرفان هي في الغالب ذاتها، أي يرمي هؤلاء أؤلئك بالانحلال الأخلاقي أوالتشدد المعادي لكل مخالف .. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا نعود في نقاشنا إلى ما نحن متفقين على أنه رذيلة وننسى ما نحن مختلفين فيه بالفعل ويستدعي أن يُناقش ..
والنتيجة هي تضييع الوقت والجهد وميادين الحوار في نقاشات لا تمس ولا تقترب من أصل الخلاف ولعلنا نضيع فرصة حقيقية لنقاش متعقّل يوصل إلى مكان ما، بدل اللامكان الذي نتخبط فيه ..

أقول هذا لأن الوضع في هذا الذي يسمى بالعالم العربي بدأ يصبح "خانقاً" بكل ما تعنيه الكلمة .. ويبدو أن شعار المرحلة القادمة "الاكتفاء الذاتي من الموت .. كلٌّ يموت في بلده!" ..


بالله عليكم .. إن كان كتب علينا أن نعيش هنا .. ومعاً .. فلنرأف بنا !!