الثلاثاء، 1 يناير 2013

هكذاعلمتني الغربة



علمتني الغربة أن الصاحب الوحيد الذي لا يفارقني هو الذي خلقني ثم تعهدني بلطفه ورعايته في كل حين ...
وعلمتني أن الأنس أنس القلب بنور بارئه ورازقه وراعيه...
علمتني أن كثرة الناس حولي لا تجلب السعادة بالضرورة، وأن غيابهم لا يجلب البؤس بالضرورة ...
ولكنها علمتني أيضاً أنه حتى رسول الله بكى لفراق مكة وأنه لا بأس علي إن أعياني المسير من حين إلى حين...
علمتني أنه ليست الطيور وحدها تسكن في أعشاش، بل كذلك شأن كل الكائنات، وأن أي أحد يغادر عشه الدافئ يعيش رحلة عصفور مشتت ...
وعلمتني أن في حياتنا أناس هم في الواقع جواهر ثمينة ولكن لسبب ما - أو ربما بدون سبب - ندير لهم ظهورنا سعياً وراء من لا يستحق ... عندما جلست بعيداً عن محيطي بدأت أرى علاقاتي بعين أخرى وكأن المشاهد تعرض على شاشة وكأنني مشاهد حيادي ... وعندها فقط أدركت أن الأصدقاء الحقيقيين هم الذين يفعلون فعل الصديق لا الذين يروق لنا أن ندعوهم أصدقاء...
علمتني أن أتعلم من كل شيء ومن كل أحد...
أن أجلس مع نفسي من وقت إلى آخر أعيد حساباتي وأجدد نيتي وأقيّم خطواتي...
وعلمتني أن تكون حياتي انعكاساً لأولوياتي وأن أسأل نفسي قبل كل عمل: كيف يخدم هذا أهدافي؟
وأن أجعل ثقتي بالله وحده .. أن أرفع إليه رأسي كل صباح وأقول: إليك وجهت وجهي ...
وعلمتني أن الذي ينظر إلى أعلى لا يمكن أن تشده المصاعب السفلية ...
علمتني أن أنظر إلى حيث تسير أشواقي ملتهبة وأقول: إلى متى يا حبيب؟
وعلمتني أن أفكر في النقد مهما كان لاذعاً، فقد يظهر الله الحق على لسان من لا يجيد قوله...
وعلمتني أن أفكر برأي المخالف من وجهة نظره لا من وجهة نظري .. فأرى بعينه وأسمع بأذنه ولربما حكمت إذاً بحكمه...
علمتني أن الآخر ليس على خطأ دائماً، نحن الذين لا نسمع بإصغاء عندما يأخذنا الغرور...
وعلمتني أن أمر رسول الله بأن نلتمس لبعضنا سبعين من الأعذار هو راحة لمن يلتمِس قبل من يُلتمَس له...
علمتني أنه - وبكل صدق - لا يستحق أحد في الدنيا أن يتعلق به قلبي .. فكل متعلق بزائل لابد أن يزول...
وعلمتني أن لا أتأمل من أحد شيئاً، فالأمل الوحيد هو بالله ومن الله... وأن خذلان البشر أقرب من نفعهم...
علمتني أن كف العناية الإلهية لابد واصلة إلى أولئك الذين يرفعون أكفهم إلى الملكوت الأعلى...
علمتني أن كل معطٍ ماهو إلا واسطة، وأن الله وحده هو الذي يسوق إلينا الإحسان سراً وجهراً...
علمتني أن الحرية في التعليم تصنع من الدارس إنساناً لا نسخة جديدة من كتاب حفظه بصماً...
وعلمتني أن الاعتزاز بما عندي لا يعني أن لا أستفيد مما عند الآخر وإن كان مخالفاَ...
علمتني أن أحاسيسنا هي اختيارات نصنعها صباح كل يوم كما نختار ما نأكل وما نلبس، وأن السعادة لا تأتي إلا لمن يسعى لها...
وعلمتني أن الاستسلام للحزن والضعف لا يجلب إلا حزناُ وضعفاً ولا ينتهي إلا بالخراب...
وأن الخير موجود في كل مكان، نحن الذين لا نراه عندما لا نمعن النظر...
علمتني أن كثيراً من القوة مخزون بداخلنا، نحن الذين لا نستعملها إلا عندما نضطر...
وأن المدد الإلهي موجود في كل لحظة، نحن الذين ندير ظهورنا عندما نتوهم أننا لا نتحتاجه...
علمتني أن النعم الإلهية تحفنا من كل جانب، نحن الذين لا نرى إلا ما ينقصنا...
علمتني أن الجهاد كلمة حق، قد لا نلقي لها بالاً ولا ندرك لها أهمية إلا عندما نرى ثمارها...
وأن كلمة الحق قد تظلم وتهضم، لكنها تبقى ورغم كل شيء كلمة حق يرضى الله عن قائلها من فوق سبع سماوات...
علمتني أن العلم هو ما يجعل الإنسان إنساناً ويكرمه فوق غيره...
علمتني أن الدعوة طريق شاق يحلو بمعيّة الله ويسهل بذكره ويضاء بالتفكر في آلائه المقروءة والمشهودة ...
وعلمتني أن لا أستصغر في الدعوة كلمة أو عملاً، فلربما قلت كلمة تركت أثراً يدوم أعواماَ...
وعلمتني أن جيل الدعوة القادم موجود في كل مكان .. وأنه وبكل فخر أخذ عن السابقين أفضل ماعندهم وفي المقابل وقف بوجه الأخطاء لا ليتهم ويلوم بل ليقول: أنا الذي سأصحح ذلك...
علمتني أن الأخلاق عامل مشترك جبل الله عليه بني آدم وأن سوء الأخلاق اعوجاج في النفس البشرية وانحطاط بها إلى أصلها الترابي بدلاً من رفعها إلى أصلها الرباني في نفخة الروح...
علمتني أن الآخرة حلم جميل، أكيد التحقق، صعب المنال، وعر الطريق، وأننا هناك تنتهي غربتنا الكبرى ... وهناك نلقى الأحبة ... 




في الأمة جيل جديد


توالت عصور الانحطاط والذل على أمتنا حتى كادت تنسى أنها سيدة بنت أسياد. وعمّ التخلف والتراجع حتى كاد الجميع ينسى أنا قدنا العالم يوماً.
ولكن اليوم .. في الأمة جيل جديد...
جيل لا يؤمن بأنه "مافي اليد حيلة" بل يؤمن بأنه (إن تنصروا الله ينصركم)
جيل لا يقدس الأشخاص بل ينتفع بالأفكار...
جيل يعلم أن المذهبية الضيقة ليست إلا نسخة جديدة من العصبية الجاهلية...
جيل يفهم أن وصف نبيّنا صلى الله عليه وسلم بقيّة الأنبياء عليهم السلام بأنّهم إخوانه يعني أنّ أتباعهم "أبناء عمومتنا"...
جيل يدرك أن (الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فيبدأ في التغيير من نفسه...
جيل يرفض فكرة "المؤامرة" وأن خلف أي شيء يد خفيّة لسنا أمامها سوى أحجار شطرنج تحركها كيف تشاء، بل يؤمن أنه (ليس للإنسان إلا ما سعى)
جيل يقرأ في القرآن (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فيفهم أنه لا يكفي أن تكون الدعوة صحيحة حتى تنجح ... بل يلزمها أيضاً الأسلوب الصحيح...
جيل يعلم أن مقولة "امشِ الحيط الحيط وقول يارب السترة" ليست إلا شعار الجبناء والكسالى...
جيل يعلم أن الإسلام لم يأتي ليدفن في المساجد ... بل جاء لينير كلّ تفاصيل الحياة الإنسانيّة...
جيل يعلم أن العبادة تكون في الجامعة وفي المعمل، كما تكون في المسجد وحلقات الذكر...
جيل يقرأ في القرآن (أفلا تتفكرون) فيعلم أن مراد الله من الإنسان هو أن يتعرف إليه في كل شيء يراه، وأن في الكون قرآناً مشهوداً تتمم آياته آيات القرآن المقروء...
جيل يعتز بالنفيس الذي عنده، ولكن لا يرى مانعاً من الاستفادة من الخير الذي عند غيره...
جيل لا يثبّطه عظم البلاء، ولا يغريه عظم الإنجاز...
جيل يستيقظ كل يوم ليصنع الدّنيا، لا ليتخبّط بين يديها...
جيل يحافظ على كل قديم نافع، وينفتح على كل جديد مفيد...
جيل يدعو إلى دين جاء في القرن السابع، ولكن بوعي وفهم ووسائل القرن الواحد والعشرين...
جيل يحترم التخصص، ولا يخجل من أن يقول: لا أعلم...
جيل يؤمن أن الإنسان الذي  قال عنه الله (ولقد كرمنا بني آدم) لا يحقّ لأحد أياً كان أن يذلّه...
جيل يدرك أن الله لن يسأله عن أخطاء السابقين التي لم يرتكبها هو، ولكنه سيسأله عن إصلاح كان يستطيع أن يتركه لمن بعده...
جيل يملك من الوعي ما يمكّنه من تمييز الخطأ، ويملك من الجرأة ما يمكّنه من رفضه...
جيل يعي قولاً وعملاً أنّ "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"...
جيل يؤمن بصدق أن المؤمنين إخوة، وأن كل عامل في سبيل الله هو شريك في الجهاد يستحق الاحترام وإن اختلف معه في الرأي...
جيل ينتهج الوسطية لا لأنها تروق له، بل لأن الله قال (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)...
جيل لا يرفض المجتمع، بل يسعى إلى إصلاحه...
جيل لا يبغض الآخر، بل يسعى إلى هدايته...
جيل لا يعرض عن المال، بل يستخدمه في طاعة الله...
جيل لا يتكهّن في الأديرة، ولكن يجعل من الزواج رحلة نحو رضى الله...
جيل يعرف كيف يعطي كل ذي حق حقه...
جيل يدرك أن "الله كفل لكل طائر طعامه ولكنه لم يضعه له في فمه"...
جيل لا يبكي على أطلال أبي بكر أوعمر أوعلي أوعثمان أو صلاح الدين، بل يسعى أن يستنسخ من كل واحد منهم ألف نسخة...
جيل يدرك أن في الإسلام أولويّات، فيفرق بين الفرض والنافلة، بين العام والخاص، بين المقيد والمطلق...
جيل يدرك أن الخلافة في الأرض ليست رخصة تبيح له الفساد كيف يشاء، ولكنها مسؤولية وأمانة عليه أن يصونها...
جيل يعلم أن (خير أمة أخرجت للناس) ليس تمييزاً عرقياً أو طائفياً وإنما هو وصف له مقومات وشروط...
جبل يقدّس النقل، ولكن لا يعطّل أمامه العقل، لأنه يدرك أن العقل هو وعاء النّقل...
جيل يصنع صحوته ونهضته ولا ينتظر أن تأتيه وهو مستلق ينسج الآمال...
هذا الجيل موجود... أنا لا أبالغ ولا أتخيل... في الأمة هذا الصنف المتميز. وهذا الجيل هو أمل الأمة الذي أعاد لها شبابها. حقاً إن الأمة اليوم تعود شيئاً فشيئاً إلى شبابها ورونقها وتسترد عافيتها. إن الإسلام اليوم يعيش أياماً فاصلة على كل المستويات وإن الأيام القادمة ستحمل على أكتاف هذا الجيل خيراً كثيراً...
ومن المهم أن أوضح أن كلمة جيل فيما سبق لا تعني مواليد سنة كذا أو كذا لأن الوصف لا ينطبق على الجميع، وإنما تعني كل العاملين الذين جعلوا الأمة همهم والإصلاح هدفهم ووجه الله مبتغاهم. فكم من شباب شاخت عقولهم وقلوبهم وكم من شيوخ تتفجر فيهم الحيوية كل لحظة إنجازاً وعطاء وبذلاً...
فإذا انطبق عليك الوصف فهنيئاً لك واعلم أنك لست وحدك وأن جنود الله كثير...
وإذا لم ينطبق عليك الوصف فالمسألة مسألة اختيار لك فيه الحرية التامة. فهل تريد إذاً أن تكون من جيل النهضة؟

وأطيعوا ...



في زمن خذلنا فيه كثير من علماء الإسلام لن نكون أبداً أتباعاً في الخذلان .. نعم جزء من هذه الثورات هي ثورتنا على التقليد الأعمى وعلى التسلط المشيخي والاجتماعي معاً ..

قلت "كثير" لأن من العلماء من وقف موقفاً يشرفه عند الله وعند عباده، ومنهم من حارت في مواقفهم عقولنا فاستثقلنا اتهامهم بالنفاق أو الخيانة، لكن لا نستثقل أن نتهم بالخطأ فما من بشر فوق الخطأ وما من أحد بعد رسول الله "ما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى" ..

وإنما دفعني لأخط كلماتي هذه هو الدفاع عن الإسلام الذي يبيعون باسمه صكوكاً يملّكون بها الطغاة أموالنا وأعراضنا وعقولنا وبلادنا بما حوت .. أكتب هذه السطور عسى أن أبرّئ ساحة الإسلام مما يرمونه به من ممالأة للظلم وخنوع للبطش وسلبية في طلب الحقوق وقعود عن السعي لاستعاده المغتصب ..


إن من أول ما تعلمناه عن ديننا هو أنه أخرج الناس من عبادة العباد، فلماذا نرى شيوخنا يدفعوننا بعد كل صلاة لنؤدي الركوع والسجود لمن سرق ونهب، وظلم واغتصب، وباع وخان ..
لماذا يسمّون الأشياء بغير مسمياتها؟ لماذا يسمون الثورة "فتنة" ولماذا يسمون "الشهداء" قتلى ولماذا يضعون الجلاد موضع التعظيم ويضعون المجلود موضع المذنب الذي يستحق العقاب .


أيها الشيوخ الأفاضل .. إنّ من خرج لم ينتظر منكم فتوى فالأمر أكثر بداهة من أن يُسأَل عنه .. حُكْمٌ سرق أموالنا وكمّمّ أفواهنا وقتل أبناءنا ورمل نساءنا ويتّم أطفالنا .. بماذا يختلف عن أي غازٍ يعلن الإسلام ضده الجهاد؟
وهل يرتضي الله لعباده أن يسكتوا على الظلم وهو الذي قال في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)[1]؟


العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة على أساس العقد الاجتماعي الذي تحدث عنه علماء السياسة والاجتماع قديماً وحديثاً.ولقد أوضح القرآن الكريم "بنود التعاقد[2]" بين "الرعية" و "أولي الأمر" في سورة النساء والآيات كما يلي:

(إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦۤ‌ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرً۬ا (٥٨) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِى شَىۡءٍ۬ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأَخِرِ‌ۚ ذَٲلِكَ خَيۡرٌ۬ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلاً (٥٩) أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلاَۢ بَعِيدً۬ا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودً۬ا (٦١) فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَـٰنً۬ا وَتَوۡفِيقًا (٦٢) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِہِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡہُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِىٓ أَنفُسِہِمۡ قَوۡلاَۢ بَلِيغً۬ا (٦٣) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ‌ۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابً۬ا رَّحِيمً۬ا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىٓ أَنفُسِہِمۡ حَرَجً۬ا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمً۬ا (٦٥)


ولقد وصل إلى يدي منذ عام تقريباً كتاب للدكتور محمد عمارة اسمه الإسلام والسياسة، وهو في الواقع من أروع ما قرأت على الإطلاق. وهو يعالج هذه الآيات في جزء من كتابه ..

تبدأ الآيات إذاً بوجوب أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، وللدكتور محمد عمارة في هذا الخصوص إشارات مهمة:


- على أولي الأمر أن يؤدوا الأمانات .. أمانات السلطات التي فوض إليهم الناس أمر القيام بها نيابة عنهم .. أن يؤدوا هذه الأمانات إلى أهلها المستحقين لها .. كل الأمانات وكاملها في كل ميادين السلطات


-  ولقد بدأت بنود التعاقد بما هو مفروض على أولي الأمر لما لسلطانهم وسلطاتهم من خطر في شؤون الدولة والعمران .. وللتأكيد على أن وفاءهم بما فرض الله عليهم هو الشرط والمبرر لطاعة الأمة والرعية لهم ..


- وزيادة في التنبيه على خطر مسؤولية ولاة الأمر، نبّهت الآية على أن هذا الوفاء في تأدية الأمانات هو أمر الله وفريضته [إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ].. فهو ليس شأناً  دنيوياً صرفاً بين الرعاة والرعية ..(معنى هذا الكلام أن الرعاة يتقربون إلى الله بأداء حقوق الناس فماذا لو لم يؤدوها؟ أفلا يحل عليهم غضب من الله لترك فريضة قررها عليهم وأمرهم بالامتثال لها؟  


- ومع الشمول الذي يدل عليه مصطلح "الأمانات" خصت الآية بالذكر "الحكم بالعدل بين الناس"


- وفي مقابل وفاء أولي الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل بين الناس تكون طاعة الرعيّة ..(جميل .. إذاً ليست الطاعة رخصة تعطى للحكام ليستبيحوا من شعوبهم ما راق لهم أن يستبيحوا، وإنما هي وفاء الأمة ببيعتها للحكام الذين وفّوا بأماناتهم وحكموا بالعدل)         


- ومما تدل عليه الآيات: أن الطاعة الواجبة على الرعية ليست لمطلق "أولي الأمر". فالطاعة أصلاً إنما هي لله (أَطِيعُواْ ٱللَّهَ) ثم للرسول فيما يبلّغ عن الله (وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ) . . . ثم تأتي الإشارة إلى طاعة أولي الأمر فتذكرهم بصيغة الجمع، تأكيداً على نفي الاستبداد والانفراد بالسلطة والسلطان – فهم "أولو الأمر" لا "ولي الأمر"..

سبحان الله .. دقة اللفظ في القرآن تحدد أموراً مهمة .. ليس في الإسلام مكان لاستبداد شخص أبداً .. والوثن لا يغيّر من وثنيته أن يكون بشراً من لحم ودم .. كل الوثنية مرفوضة في الإسلام! وبالمناسبة كلمة ولي ذكرت في القرآن في مواضع محدودة وفي الغالب تكون الإشارة بها إلى الله عز وجل "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور" [3]

 ولا بد أن يكون أولو الأمر من المؤمنين المتقين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .. أي لابد وأن يكون أولو الأمر ملتزمين بالطاعة لله والرسول، فتكون الشريعة هي الحاكمة في علاقاتهم بالمحكومين (وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُم)..


- ثم تجعل الآيات المرجعية عند حدوث التنازع والاختلاف، بين طرفي التعاقد – الرعية .. والرعاة – لله ورسوله..
ملاحظة على الهامش .. تعني هذه الآية أن حدوث التنازع ممكن! أي أننا من حقنا كطرف في العقد أن نتنازع مع الطرف الآخر إلى وجدنا حقوقنا تمتهن! وتعني أيضاً أنه إذا وقع خلاف من هذا النوع كان مرده للكتاب والسنة لا للسجن والأغلال!! لماذا إذاً يا فضيلة شيوخنا تخرجوننا عن الملّة إذا نبسنا ببنت شفة وتلعنونا ليل نهار لأننا "شققنا عصا الطاعة" ؟؟؟


-  ورأي الدكتور محمد عمارة هذا ليس بدعاُ من الآراء ولا جديداً في عالم السياسة الشرعية، فقد قال ابن تيمية في هذه الآيات "جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة" وهو أيضاً يشير إلى أن الآية الأولى نزلت في أولي الأمر، والثانية في الرعية توجب عليهم أن يؤدوا الطاعة لأولي الأمر الذين أدوا الأمانات إلا أن يؤمروا بمعصية الله فحينها لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.(معصية الخالق .. مثل ماذا؟ قتل النفس البريئة؟ سرقة الأموال؟ استباحة الأعراض؟ تكميم الأفواه عن الحق؟ تكبيل الدين؟ أليست كل هذه الجرائم مما اعتاد حكّامنا أن يمارسوها في حقنا؟ أليسوا يأمرون مسؤوليهم – أو على الأقل يبيحون لهم – أن يظلموننا ويقتلوننا ويأكلون حقوقنا؟ لماذا تريدون منا بعد ذلك أن نؤدي واجبنا في عقد هم نقضوه منذ زمن؟ 


- ومن اللفتات الجميلة في هذا الخصوص رأي الإمام محمد عبده في من هم "أولي الأمر" .. يرى الإمام أن اللفظ يعم كل من ولي من أمر المسلمين طرفاً .. أي أن اللفظ يشمل الحكام (السلطة التنفيذية) .. ويشمل أيضاً القضاة (السلطة القضائية) والعلماء (السلطة التشريعية) وقيادات المؤسسات والمجتمع .. رؤية توزع السلطات بدل أن تكدسها في يد شخص تجعله هو الدولة والقانون والقيادة معاً ..فالطاعة إذاُ ليست لكل حاكم ولا لأي حاكم فلا تبيعوا وتشتروا باسم الإسلام الذي حرر البلاد والعباد فأردتموه تقييداً وكبتاً ولا تنبشوا في الكتب الصفراء عمّا كُتِب في الأساس لإرضاء من سلف من الحكّام المستبدين ..

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ألا أخبركم بخيار أمرائكم و شرارهم ؟ خيارهم الذين تحبونهم و يحبونكم و تدعون لهم و يدعون لكم و شرار أمرائكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم"[4[

يؤكد حديث رسول الله على ضرورة رضا المحكومين بحاكمهم وعلى أن خيرية الحاكم تقاس بمدى محبة ورضا الناس عن حكمهم .. والعكس صحيح .. فإذا أبغض الحاكم محكوميه كان ذلك دليلاً على أنه من شرار الأمراء لا من خيارهم .. ومتى ينشأ البغض بين الحاكم والمحكومين؟ عندما ينصّب المحكوم نفسه على رؤوس العباد رغم إرادتهم ودون رضاهم ثم يأخذ منهم السمع والطاعة زوراً وبهتاناً بل إرهاباً وإرغاماً .. فيبغضونه لظلمه ويبغضهم لأنهم خطر يتهدده في كل وقت ..

لماذا تقرؤون علينا القرآن الذي يحدثنا عن فرعون وتلعنون أفعاله وتعيدون على مسامعنا قصته مرة بعد المرة .. حتى إذا ما قمنا إلى فراعيننا ننتزع حقوقنا اتهمتمونا بالعمالة والخيانة والفسوق؟ لماذا علمتمونا أن "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز : أي الجهاد أفضل ؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر"[5] فلما قمنا نقول كلمة الحق اختبأتم في المحاريب ورميتمونا بالفساد والإفساد وبالفتنة والافتتان؟لماذا علمتمونا أن رسول الله قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه، فقتله"[6] فلما استشهد زهرة شبابنا على يد الحاكم الجائر قلتم "سلوا عن الأسباب لا تسألوا عن النتائج"!!!


لا طاعة إلا لمن أطاع الله فينا .. لا طاعة إلا لمن خاف الله فينا .. لا طاعة إلا لمن اتقى الله فينا ..  





[1] رواه مسلم/ 165
 [2]الكلام عن بنود التعاقد مأخوذ في أغلبه من كتاب الإسلام والسياسة للدكتور محمد عمارة

 [3]البقرة/ 257
 [4] نقله السيوطي في الجامع الصغير (2599)، وأخرجه الترمذي (2264) وقال عنه الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني

 [5] النووي في تحقيق رياض الصالحين وقال صحيح

 [6] أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وقال صحيح، ومن المحدثين من قال: صحيح أو حسن أو ما قاربهما.

* مصدر الصورة: http://www.swishschool.com/vb/