الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان
وكتابه القرآن معين متجدّد من الهداية والإرشاد. إذا كان
هذا الكلام صحيحاً فمعناه أن الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم قبل أربعة عشر قرناً لا زال يحمل لكل أهل عصر رسائل ورسائل.
وخصوصية القرآن بتجدد معانيه فريدة
لا يدانيه فيها كتاب. لذا ترى آيات القرآن تبث في نفسك معانٍ تتناسب إلى حد كبير
مع الحال والزمان والظروف التي تعيش بظلها. وفي ظل ما يشهد بلدي سوريا وكثير من
بلاد العرب الأخرى شدّتني بدايات سورة القصص وعشت مع آياتها حيناً من الزمن أرددها
وأتفكر فيها وفي السطور القادمة أبثكم ما وصل إليه تأملي في تلك الآيات.
تبدأ السورة كما يلي
"طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
(2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ (3)"
فالآيات إذا على وشك أن تبسط لنا
قصة موسى مع فرعون وهي ليست فقط قصة الإيمان مع الكفر بل قصة الحرية مع الاستبداد.
وتذكر الآية أن النبأ الذي تسوقه إلينا إنما تسوقه "بالحق لقوم يؤمنون"
فتكون هذه العبارة تأكيداً على أن هذا الحق الذي ترويه الآيات إنما يساق إلينا
لنتعلم منه إذا كنا مؤمنين. نعلم جميعاً أن القصص في القرآن لها عبر ينبغي أن
تستنبط وأنها لم تذكر لمجرد التسلية ولا لملء صفحات المصحف. إذا اتفقنا على هذا
فهيا بنا نسبر أغوار الآيات القادمة.
"إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا
فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ
يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ (4)"
بدايتنا مع فرعون إذاً .. رمز
الاستبداد والاستعباد .. رمز الظلم ومصادرة الحريات .. طاغية بلغ به الأمر أن يقتل
أبناء بني إسرائيل فور ولادتهم خوفاً من أن تنبت الأجيال ذلك المحرر الذي سينهي
عهد استبداده.
وتشير الآية إلى أن أول عنصر في
الاستبداد هو العلو في الأرض لأن المستبد يرى نفسه فوق الناس وأعلى منهم ويقارب أن
يرى في نفسه ألوهية أو قد يقتنع بذلك فعلاً كما قال فرعون "أنا ربكم
الأعلى" (النازعات 24). وهذا ديدن الطغاة قديماً وحديثاً.
وأذكر هنا جواب بورقيبة طاغية تونس
قبل طاغيتها الزائل بن علي حين سئل عن شكل النظام في بلاده فقال: "أي نظام؟
أنا النظام!"
نعم هكذا يفهم الطغاة الحكم: سلطات
بلا حدود مجتمعة في يد الحاكم "الإله" ولذا ينسبون إلى معارضيهم أو من
رفعوا في حضرتهم رأساً صفات كـ "الجرذان" أو "الجراثيم" وهي
نعوت تظهر خبيئة نفوسهم في نظرتهم إلى شعوبهم وتعاليهم عليها. ثم نرى تلك الخبيئة
تظهر في صورة سجود مؤيديهم لهم وهتافهم لهم بالألوهية ومظاهر أخرى يشمئز منها كل
صاحب عقل وأنفة.
ثم تنتقل الآية لتشرح لنا آليات
الاستبداد فتقول " وَجَعَلَ
أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ"
سبحان الله! كل استبداد لابد أن
يقوم على طائفية أو عنصرية معينة. قد تكون دينية أو عرقية أو اجتماعية أو طبقية،
لا يهم، المهم أن يصنع المستبد لنفسه طائفة مخلصة يحركها كيف يشاء، ويبطش بيدها
ليستضعف غيرها من الطوائف.
وأما الأساليب فقديمة تتلخص في سفك
الدماء وهتك الأعراض وتختلف فيها الأدوات فقط. فإذا كان فرعون ذلك الزمان يذبح
بالساطور ففراعين اليوم يذبحون الذبح ذاته بوسائل أكثر تطوراً والنتيجة واحدة.
يكرر الاستبداد نفسه في كل مرة ومع أن حيله التافهة تفشل كل مرة إلا أنه يأبى أن
يتعلم من نفسه.
ثم تشير الآية إشارة استوقفتني في
قوله تعالى عن فرعون " إِنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ".
مع أن الفراعنة كانوا رعاة حضارة عريقة
وشيدوا من البنيان ما تزال آثارة شامخة إلى يومنا هذا، إلا أن الفساد في الأرض حسب
المفهوم القرآني هو الفساد في حق الإنسان بوصفه صانع الحضارة وغايتها. ماذا تغني
الأبنية الشاهقة والإبداعات المعمارية عن شعب مقهور مقموع لا يملك حتى أن يعتقد
بما يريد. فرعون سجّل له القرآن أنه كان من المفسدين لأنه شرذم قومه وجعلهم طوائف
متناحرة ولأنه أزهق الأرواح التي كرمها الله وهتك الأعراض التي حرّمها الله. ولعله
في زمنه ذاك كان يرى أن "إصلاحاته" يمكن أن تغفر له كل هذا الفساد فهاهو
يقول "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر 29).
ويذكّر القوم بما أشاد وملك فيقول "يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار
تجري من تحتي أفلا تبصرون" (الزخرف 51). إلا أن هذا كله غير ذي معنى إذا ما
قورن باضطهاد البشر وسفك دمائهم ومصادرة حرياتهم.
ثم يكمل السرد القرآني قصته
مستعجلاً إعلان نتيجة الصراع القائم بين المستضعفين والمتجبّرين حتى قبل أن يروي
لنا تفاصيل الحكاية فيقول تعالى:
" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" (6(
ما أروع البشارة التي يزفها القرآن
للمستضعفين في الأرض، إنها إرادة الله شاء من شاء وأبى من أبى، إنها إرادة الله أن
يمنّ على أولئك الذين أذلهم فرعون واستضعفهم. ويأتي المنّ الإلهي على شكل البلاء
فيشاء عز وجل أن يهبهم الحكم ليكونوا "أئمة" ويهبهم الملك ليكونوا
"الوارثين".
ثم تزيد الآية في تطمين أصحاب الحق
المسلوب فتشير إلى أن الحكم والملك سوف يمكَّن لهم في الأرض وأنهم سوف يقتصّون من
ظالميهم.
وهنا أقف وقفتين: الأولى مسألة القصاص
ومحاسبة المجرمين. وأوجه كلامي لكل أولئك الذين يدعون للعفو والحصانة وعدم مساءلة
الحكّام المخلوعين. إن الله جلّ وعلا وعد مستضعفي فرعون أن يقتصوا منه بل ومن كل
أركان حكمه " وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا
كَانُوا يَحْذَرُونَ".
لصاحب الحق أن ينتزع حقه ويجب أن
يقتص من القاتل ومن الظالم، أولاً إحقاقاً للحق وثانياً حتى يعلم من يأتي بعده أنه
ينبغي أن يحكم بالحسنى وإلا كانت عاقبته وخيمة. وأما الوقفة الثانية فهي مع
"هامان" و"جنودهما".
في كل نظام استبدادي لابد من
"هامان" يكون اليد اليمنى التي تبطش للظالم والتي تكون معه شريكة الجرم
والإثم. وفي أنظمتنا اليوم نرى هاماناً هنا وهاماناً هناك. ولكن وجود هامان لا
يعفى فرعون من المسؤولية وهذا ما يظهره القرآن حين يتوعد كليهما بالقصاص.
لكل الذين يقولون إن الرئيس
الفلاني غير راضٍ عما يجرى: هذا كله كلام فارغ، ما نعلمه أن الرئيس أو الفرعون هو
أعلى سلطة في الدولة تتحمل المسؤولية كاملة وعليها أن تتلقى تبعة أفعالها أو
موافقتها على أي فعل.
وأما مسألة "جنودهما"
فقد هزّتني بشدة وكأنني أراها للمرة الأولى في النص القرآني. إن القرآن خصص ذكر
الجنود وحملهم مع مرؤوسيهم مسؤولية الجرم حين قال " إِنَّ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)". ليس الجنود مجرد
"عباد مأمورين" بل هم شركاء في المسؤولية وشركاء في الإجرام. وكلمة
"الجنود" تضم كل من جنّد في الدفاع عن الظالم شيئاً فليحذر أولئك
المتذبذبون والذين يدسون السم في العسل.
أعتذر من قارئي على الإطالة ويبدو
أن للحديث بقية فالآيات لم تنتهِ ودلالاتها وعبرها أيضاً لم تنتهِ. وخلاصة القول
أن الله أراد للإنسان أن يكون حراً فبعث أنبيائه ليحرروه من كل أشكال العبودية
الفكرية والعقدية وغيرها ... وأراد له أن يحيى مكرماً أبد الدهر بما وهب له حين
قال "ولقد كرّمنا بني آدم"

