الخميس، 28 فبراير 2013

الثورة والاستبداد بعيون القرآن



الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان وكتابه القرآن معين متجدّد من الهداية والإرشاد. إذا كان هذا الكلام صحيحاً فمعناه أن الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً لا زال يحمل لكل أهل عصر رسائل ورسائل.

وخصوصية القرآن بتجدد معانيه فريدة لا يدانيه فيها كتاب. لذا ترى آيات القرآن تبث في نفسك معانٍ تتناسب إلى حد كبير مع الحال والزمان والظروف التي تعيش بظلها. وفي ظل ما يشهد بلدي سوريا وكثير من بلاد العرب الأخرى شدّتني بدايات سورة القصص وعشت مع آياتها حيناً من الزمن أرددها وأتفكر فيها وفي السطور القادمة أبثكم ما وصل إليه تأملي في تلك الآيات.

تبدأ السورة كما يلي
"طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)"

فالآيات إذا على وشك أن تبسط لنا قصة موسى مع فرعون وهي ليست فقط قصة الإيمان مع الكفر بل قصة الحرية مع الاستبداد. وتذكر الآية أن النبأ الذي تسوقه إلينا إنما تسوقه "بالحق لقوم يؤمنون" فتكون هذه العبارة تأكيداً على أن هذا الحق الذي ترويه الآيات إنما يساق إلينا لنتعلم منه إذا كنا مؤمنين. نعلم جميعاً أن القصص في القرآن لها عبر ينبغي أن تستنبط وأنها لم تذكر لمجرد التسلية ولا لملء صفحات المصحف. إذا اتفقنا على هذا فهيا بنا نسبر أغوار الآيات القادمة.

"إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)"
بدايتنا مع فرعون إذاً .. رمز الاستبداد والاستعباد .. رمز الظلم ومصادرة الحريات .. طاغية بلغ به الأمر أن يقتل أبناء بني إسرائيل فور ولادتهم خوفاً من أن تنبت الأجيال ذلك المحرر الذي سينهي عهد استبداده.
وتشير الآية إلى أن أول عنصر في الاستبداد هو العلو في الأرض لأن المستبد يرى نفسه فوق الناس وأعلى منهم ويقارب أن يرى في نفسه ألوهية أو قد يقتنع بذلك فعلاً كما قال فرعون "أنا ربكم الأعلى" (النازعات 24). وهذا ديدن الطغاة قديماً وحديثاً.
وأذكر هنا جواب بورقيبة طاغية تونس قبل طاغيتها الزائل بن علي حين سئل عن شكل النظام في بلاده فقال: "أي نظام؟ أنا النظام!"

نعم هكذا يفهم الطغاة الحكم: سلطات بلا حدود مجتمعة في يد الحاكم "الإله" ولذا ينسبون إلى معارضيهم أو من رفعوا في حضرتهم رأساً صفات كـ "الجرذان" أو "الجراثيم" وهي نعوت تظهر خبيئة نفوسهم في نظرتهم إلى شعوبهم وتعاليهم عليها. ثم نرى تلك الخبيئة تظهر في صورة سجود مؤيديهم لهم وهتافهم لهم بالألوهية ومظاهر أخرى يشمئز منها كل صاحب عقل وأنفة.

ثم تنتقل الآية لتشرح لنا آليات الاستبداد فتقول " وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ"
سبحان الله! كل استبداد لابد أن يقوم على طائفية أو عنصرية معينة. قد تكون دينية أو عرقية أو اجتماعية أو طبقية، لا يهم، المهم أن يصنع المستبد لنفسه طائفة مخلصة يحركها كيف يشاء، ويبطش بيدها ليستضعف غيرها من الطوائف.
وأما الأساليب فقديمة تتلخص في سفك الدماء وهتك الأعراض وتختلف فيها الأدوات فقط. فإذا كان فرعون ذلك الزمان يذبح بالساطور ففراعين اليوم يذبحون الذبح ذاته بوسائل أكثر تطوراً والنتيجة واحدة. يكرر الاستبداد نفسه في كل مرة ومع أن حيله التافهة تفشل كل مرة إلا أنه يأبى أن يتعلم من نفسه.

ثم تشير الآية إشارة استوقفتني في قوله تعالى عن فرعون " إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ".
مع أن الفراعنة كانوا رعاة حضارة عريقة وشيدوا من البنيان ما تزال آثارة شامخة إلى يومنا هذا، إلا أن الفساد في الأرض حسب المفهوم القرآني هو الفساد في حق الإنسان بوصفه صانع الحضارة وغايتها. ماذا تغني الأبنية الشاهقة والإبداعات المعمارية عن شعب مقهور مقموع لا يملك حتى أن يعتقد بما يريد. فرعون سجّل له القرآن أنه كان من المفسدين لأنه شرذم قومه وجعلهم طوائف متناحرة ولأنه أزهق الأرواح التي كرمها الله وهتك الأعراض التي حرّمها الله. ولعله في زمنه ذاك كان يرى أن "إصلاحاته" يمكن أن تغفر له كل هذا الفساد فهاهو يقول "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر 29). ويذكّر القوم بما أشاد وملك فيقول "يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" (الزخرف 51). إلا أن هذا كله غير ذي معنى إذا ما قورن باضطهاد البشر وسفك دمائهم ومصادرة حرياتهم.

ثم يكمل السرد القرآني قصته مستعجلاً إعلان نتيجة الصراع القائم بين المستضعفين والمتجبّرين حتى قبل أن يروي لنا تفاصيل الحكاية فيقول تعالى:
" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" (6(

ما أروع البشارة التي يزفها القرآن للمستضعفين في الأرض، إنها إرادة الله شاء من شاء وأبى من أبى، إنها إرادة الله أن يمنّ على أولئك الذين أذلهم فرعون واستضعفهم. ويأتي المنّ الإلهي على شكل البلاء فيشاء عز وجل أن يهبهم الحكم ليكونوا "أئمة" ويهبهم الملك ليكونوا "الوارثين".
ثم تزيد الآية في تطمين أصحاب الحق المسلوب فتشير إلى أن الحكم والملك سوف يمكَّن لهم في الأرض وأنهم سوف يقتصّون من ظالميهم.

وهنا أقف وقفتين: الأولى مسألة القصاص ومحاسبة المجرمين. وأوجه كلامي لكل أولئك الذين يدعون للعفو والحصانة وعدم مساءلة الحكّام المخلوعين. إن الله جلّ وعلا وعد مستضعفي فرعون أن يقتصوا منه بل ومن كل أركان حكمه " وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ".
لصاحب الحق أن ينتزع حقه ويجب أن يقتص من القاتل ومن الظالم، أولاً إحقاقاً للحق وثانياً حتى يعلم من يأتي بعده أنه ينبغي أن يحكم بالحسنى وإلا كانت عاقبته وخيمة. وأما الوقفة الثانية فهي مع "هامان" و"جنودهما".
في كل نظام استبدادي لابد من "هامان" يكون اليد اليمنى التي تبطش للظالم والتي تكون معه شريكة الجرم والإثم. وفي أنظمتنا اليوم نرى هاماناً هنا وهاماناً هناك. ولكن وجود هامان لا يعفى فرعون من المسؤولية وهذا ما يظهره القرآن حين يتوعد كليهما بالقصاص.
لكل الذين يقولون إن الرئيس الفلاني غير راضٍ عما يجرى: هذا كله كلام فارغ، ما نعلمه أن الرئيس أو الفرعون هو أعلى سلطة في الدولة تتحمل المسؤولية كاملة وعليها أن تتلقى تبعة أفعالها أو موافقتها على أي فعل.

وأما مسألة "جنودهما" فقد هزّتني بشدة وكأنني أراها للمرة الأولى في النص القرآني. إن القرآن خصص ذكر الجنود وحملهم مع مرؤوسيهم مسؤولية الجرم حين قال " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)". ليس الجنود مجرد "عباد مأمورين" بل هم شركاء في المسؤولية وشركاء في الإجرام. وكلمة "الجنود" تضم كل من جنّد في الدفاع عن الظالم شيئاً فليحذر أولئك المتذبذبون والذين يدسون السم في العسل.

أعتذر من قارئي على الإطالة ويبدو أن للحديث بقية فالآيات لم تنتهِ ودلالاتها وعبرها أيضاً لم تنتهِ. وخلاصة القول أن الله أراد للإنسان أن يكون حراً فبعث أنبيائه ليحرروه من كل أشكال العبودية الفكرية والعقدية وغيرها ... وأراد له أن يحيى مكرماً أبد الدهر بما وهب له حين قال "ولقد كرّمنا بني آدم"

* تجدونها أيضاً هنا: http://www.alandaluse.net/ar/index.php 

السبت، 23 فبراير 2013

على هامش "الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني"



وددت بعد القراءة وعدد من النقاشات مع الأصدقاء أن أدوّن بعض الأفكار عن الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الدمشقي الجميل نزار قباني .. ويروقني – وأعتقد أنه يروقه هو أيضاً – أن أناديه بالدمشقي .. فالروح الدمشقية تنبعث من كل ما كتبه هذا المبدع .. تصاويره .. تعابيره .. جرس أبياته .. كل ما كتبه هذا الشاعر كان دمشقياً بامتياز ..
أول ما يجب أن أدوّنه هنا هو أن الكتاب المعنون بهذا العنوان لا يضمّ كل أعمال نزار الشعرية، بل إن بعض أجملها ليس فيه .. ومن ذاك دمشقياته .. وكثير من أشعاره السياسية التي تجد أغلبها في ديوان "قصائد مغضوب عليها" ..


نزار واللغة:
لا شك أنّ الذي يتذوق الشعر سيُسكِره كأس نزار أكثر من غيره .. لكن حتى القارئ حديث العهد بالشعر لن يعاني في فهم مراد نزار والتماس أحاسيسه ..
وهذا من أجمل ما في شعر نزار: بساطته ومباشرته .. فصاحة بلا تقعر .. وإبداع بلا تكلّف ..
نزار في لغته عربي مفوّه .. لكنه أيضاً "ابن بلد" فلا تخلو أبيات نزار من كلمات عامية هنا وهناك .. تأتي في الموضع الذي لا يصح أن يستعمل فيه إلاها لأنها وحدها تؤدي المعنى المطلوب ..
اللغة عند نزار جبل ضخم والشعر في يده إزميل والإزميل هو آلة النحت التي يحركها نزار بمهارة لرسم أجمل معان ومشاعر على صفحة اللغة العربية العبقرية .. وهذه الكلمة محببة لنزار يستعملها كثيراً كما في (الموال الدمشقي): 
يا شام يا شامة الدنيا ووردتها ... يا من بحسنك أوجعتِ الأزاميلا  
نزار في الوصف تفصيلي مولع بالدقائق (اقرأ مثلاً "الضفائر السود" أو "ضحكة")
وفي التشابيه تصويري حد المشاهدة (اقرأ مثلاً "إلى عينين شماليتين")

نزار بين الحب والسياسة:
نزار في شعر الحب سلطان .. ومن أجمل قصائد الحب عنده ""أين أذهب" و "بعد العاصفة" و "رفقاً بأعصابي" و "يوميات رجل مهزوم" ..
وهناك رأي معتبر يرى أن الأغنية ساهمت في إيصال نزار إلى شريحة أوسع من العامة .. وهذا قد يكون صحيحاً لكن نزار الذي أوصلته الأغنية للعامة هو نزار العاشق لا نزار الثائر ولا نزار السياسي الدبلوماسي .. وإن كان نزار يرى الحبّ حالة ثورية:
إني لا أؤمنُ في حبٍّ..
لا يحملُ نزقَ الثوارِ..
لا يكسرُ كلَّ الأسوارِ
لا يضربُ مثلَ الإعصارِ..
ولكن صورة نزار التي يرسمها رواج أشعار الحب دون أشعار السياسة هي صورة منقوصة مغلوطة .. فنزار كان سياسياً مخضرماً خدم سفارات سوريا في بلاد عديدة، ثم هو مفكّر صاغ أفكار الحرية والعدالة وحب الوطن إبداعات لغويّة .. كما أرّخ لأحداث من العصر العربي الحديث بقصائد رائعة مثل "هوامش على دفتر النكسة" .. ومن جميل سياسياته "متى يعلنون وفاة العرب" و "السيرة الذاتية لسيّاف عربيّ" و"أطفال الحجارة" و"هجم النفط مثل ذئب علينا" وفيها يقول:
لا يبوس اليدين شعري .. وأحرى  ... بالسلاطين أن يبوسوا يديه

وإن تغييب الأشعار السياسية لنزار ليس محض صدفة وليس فعلاً بريئاً نتج عن سهو أو قلة اهتمام .. بل إن أشعاراً كتلك التي ذكرت ليس في مصلحة الأنظمة المستبدة أن تنشر وتنتشر ..
ولذا ورغم أنني درست في دمشق لم يكن نزار الدمشقي موضع اهتمام في مناهجنا .. وكنا ننظر إلى التي تقرأ اشعار نزار نظرة ريبة لأننا عُلّمنا أن نزار هو شاعر التفسخ وشاعر الجسد .. ولم يحدث أن قدّمه أحد لنا على أنه شاعر الحرية أو التحرير ..

نزار والمرأة:
من الأشياء التي تلفت في شعر نزار هو تقمصّه شخصية الأنثى في بعض القصائد والحديث باسم المرأة ومن أجمل ما كتب من هذا النوع "شؤون صغيرة" و "رسالة من تحت الماء" و "إلى رجل" ..
ونزار يعتبر تحرير المرأة قضية من قضاياه الكبرى .. وهذا تلمحه في قصائد مثل "رسالة من امرأة حمقاء" و "أسائل دائماً نفسي" ..
 إلا أن المرأة التي أراد نزار أن يحررها هي تلك التي يراها هو أو ربما يريدها هو ..
فنزار كان معنياً بتحرير جسد المرأة وقلبها ضمن دائرة الحب والجنس، وهاتان القضيتان وإن كانتا حتى الآن تعالجا بقدر كبير من الذكورية في مجتماعتنا، إلا أنهما لا تلخّصان المشاكل التي تعاني منها المرأة .. فضلاً عن طريقة نزار في تناول الموضوعين .. والحدود التي يرسمها أو بالأحرى لا يرسمها للتعاطي معهما ..
نزار لم يكن معنياً بتحرير فكر المرأة .. لم يكن معنياً بتوسيع دائرة تأثيرها المجتمعي ..
وهذا يكشف عيباً كبيراً في نظرة نزار للمرأة .. بل وللإصلاح المجتمعي ذاته .. فكيف تسعى لتحرير "بعض" إنسان؟
إن امرأة حرّة الجسد والقلب مكبّلة العقل والفكر .. ليست أحسن حالاً على الإطلاق .. بل قد تكون كارثية لنفسها ولمن حولها ..

نزار والإباحية اللغوية:
قد يستهجن البعض اللفظ .. لكن بعض قصائد نزار لا تخلو من شيء كهذا .. سواء كان في الإغراق في وصف جسد المرأة وصفاً يخدش الحياء ..
أو في التطاول على الذات الإلهية في عدة مواضع ..
بقدر ما تحتاج مجتمعاتنا للتصالح مع الحبّ .. فهي تحتاج أيضاً إلى ترشيد الحياء .. أما التصريح اللامحدود فلست أرى له وظيفة اجتماعية على الإطلاق وإن كان كذلك فالأولى أن يبقى حالة خصوصية لا تتجاوز حدود غرف النوم ..

نزار ودمشق:
أحببت أن أختم بدمشق كما بدأت بها .. ولولا أنه لا يختلف اثنان في روعة ما كتب نزار في دمشق لكانت شهادتي هنا مخدوشة تماماً .. فأنا إذ تذكر دمشق لست أقل تطرفاً من نزار على الإطلاق ..
سمعت من أحد النّقاد مقالة أظنه أصاب فيها كثيراً من الحقيقة .. وهي أن نشأة نزار في أجواء دمشقية ساحرة الجمال كان ذا أثر ملموس في إذكاء موهبته الشعرية الفذّة ..
البيت الدمشقي السابح في بحر من الياسمين .. والباحة المنزلية المعانقة لبحيرة الدار .. وأصوات العصافير تتراقص وتتراكض في "مربع" الدار .. أية بيئة أكثر شاعرية من هذه البيئة ..
"الموال الدمشقي" و "القصيدة الدمشقية" و "خمس رسائل إلى أمي" و "من مفكرة عاشق دمشقي" من أجمل قصائد العشق التي كتبها هذا الدمشقي الجميل ..
ومع ذلك كله .. لم تدرّس لنا هذه القصائد في مدراس دمشق ذاتها .. وهذا خزي كبير ..
لكن قارئها سيدرك فوراً سبب تغييبها على روعتها ..

أما أجمل قصائده على الإطلاق فيصعب بشدة اختيار قصيدة كهذه .. لكن قد يتفق كثيرون على أن إحساس نزار لا يفيض ولا يصل إلى القارئ كما يصل في قصيدته "بلقيس" التي كتبها بعد مقتل زوجته بلقيس .. هذه القصيدة مزيج من السياسة والحب والثورة والغضب والحزن والألم .. وهي من أجود ما خطه نزار ..

سلام عليك أيها القائل:
شعري أنا قلبي، ويظلمني ... من لا يرى قلبي على الورق
وأيضاً:
أنا بعض هذا الحبر ما عدت ذاكراً ... حدود حروفي من حدود أصابعي 




* مصدر الصورة: http://nizariat.com/nizar_photos.php 

الخميس، 21 فبراير 2013

لن أهدأ ..


قل لمن لا يعجبه نشيدي أن يُعرِض، 
فأنا ... لن يخفت أبداً صوتي !
ولمن لا يسعده وجودي أن يرحل، 
فأنا ... لن أعلن أبداً موتي !

وطريقي هاهو أبصره ... فيه أعيش رسالاتي
وربيعي أمامي أشعره ... وبه نهاية آهاتي

بركاني الثائر في صدري .. لا يطفئه اعتراض !
وشعاري الغالي في عمري .. لا يثنيه امتعاض !

أنا بعد هدوءٍ عاصفةٌ ... ستُصحّح كلّ الأخطاء
وبقلمٍ فذّ وبمنطق ... ستغيّر كلّ الآراء

ولهدفي لحنٌ وعبيرٌ ... يملأ بالنّور حياتي
وله في الأحشاء حنينٌ ... وله تسارع خطواتي

تحلم أن تنسيني هدفي ؟!        يا مسكين
وببطشك تستنزف خوفي ؟!    يا مسكين
وبعنف أن ترغم أنفي؟!         وبسكّين؟

فلتشرب كل البحار ... ولتطفئ ضوء النّهار ...                 لن أهدأ
أعمِل فيَّ سلاح القهر ... أو أرجعني حتى الصّفر...           فسأبدأ

وسيأتي فجري في يومٍ ... وستسمع
صوتي في الأرجاء سعيداً ... وستُصرع
بالغيظ القاتل وبسيفي ... 
وسيصبح كابوسك ... طيفي !


الجمعة، 8 فبراير 2013

بالنسبة لي .. العراق انتهى

كان هذا جوابه على سؤال: هل تستطيع العودة إلى العراق؟
وكان دوري في هذه المقابلة هو ترجمة الكلام .. 
وبين المسؤولة الأمريكية المنتظرة ترجمتي .. وبين اللاجئ العراقي الذي يهزّ رأسه في الطرف الآخر من الغرفة .. .. تجمّدت أنا  ..
وتوقّف الزمان وتسمّرتِ الأرضُ في مكانها حتى لكأنّها لم تدُرْ يوماً ..
وصمتُّ عجزاً عن الكلام لا بغضاً له .. وتزاحمت في عقلي مئات الأسئلة  ..
ثم أفقتُ فجأة .. وأدركت أنّني عطّلت العمليّة .. فترجمتُ ما قيل على عجل .. ولست أذكر صدقاً كيف ترجمتُ تلك الجملة ..
وتمَّت المقابلة وأنا أؤدّي عملي تماماً كما لو كنتُ آلة .. بينما يتردّد صدى تلك الجملة رتيباً مؤلماً ويضرب جدران جمجمتي دون كلل أو ملل  ..
وخرج الرّجل .. وخرجتُ أنا .. وعندي أمنية واحدة  ..
أردت للحظة أن أذهب إليه .. أمسك بقامته الطّويلة وأهزّ جسده الضّخم بقوة عساه يستيقظ  ..
كيف يقول الإنسان "بالنسبة لي .. بلدي انتهى"؟ 
كيف بالله عليك!
ألا يبقى الإنسان حيّاً على أمل العودة مهما ساءت الظّروف؟!
ألا يغمض البعيدُ عينه كلّ ليلةٍ مستجمعاً دفء وطنه .. متدثراً بطيف الحنين إليه؟

كيف استطاع هذا الرّجل أن يقتنع بالفكرة؟ وكيف تقبّلها حدّاً يجعله ينطق بها كما لو كانت جواباً عن حالة الطّقس؟
أبهذه السّهولة ينتشل الإنسان الأمل بالوطن من داخله؟

لست أدري إن كان ذاك اللاجئ لا زال يذكر حتى اليوم أنه قال هذه الجملة .. لكن أنا أذكر .. أذكر جيداً ..
قلتُ في نفسي .. شيئان لا ثالث لهما قد يجعلا الإنسان يقول شيئاً كهذا: شدة الألم أوشدة اللامبالاة ..
نعم .. فقد يصل الألم حد الهذيان وهذا الكلام لا يُصنَّف إلا على أنّه هذيان  ..
وأما اللامبالاة فيصعب عليّ أن أتخيل ما يؤدي إليها .. هل يولد بعض الناس دون حبٍّ لأوطانهم؟
ربّما .. قد يكون عدم حبّ الوطن هذا عيباً ولادياً .. عاهة خَلْقيّة .. ربّما .. 
أيهما يا ترى دفع ذلك اللاجئ لقول ما قال؟ لا علم لي ..

وتخيلتُ نفسي مكان ذاك الرجل للحظات .. أحاول أن أفهم كيف يصل الإنسان إلى اعتراف كهذا  ..
ليس ما رآه صاحبنا في العراق بسيطاً .. وليست معاناته التي مرّ بها هيّنة  ..
لكن .. مع كل هذا .. فليعذرني لم أتفهّمه .. لم أقتنع أنّ شيئاً كهذا يخرج من فمٍ في رأسٍ صاحٍ !!

بلدي .. سوريا .. ما رأيت العودة إليك بعيدة كما أراها اليوم .. وما رأيت الألم فيك كبيراً كما أراه اليوم .. وما حالت بيني وبينك موانع كما تحول اليوم .. لكن لن يحصل أبداً .. لن يأتي ذاك اليوم .. لن أجرأ يوماً أن أهذي بهذا الشكل  ..
نزار .. أنا أيضاً يعرّش الياسمين الدمشقي على أضلعي .. أنا أيضاً أمي دمشق  ..
سوريا .. أياً كان الألم .. سأعود .. لا بل ستعودين .. سنعود جميعاً يا وطني الذي لا يعرف النهاية أبداً .. أبداً ..






* مصدر الصورة:
http://nihad.me/project/25/80/Arabic-Calligraphy-Styles/%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A