الخميس، 21 نوفمبر 2013

على هامش "آخر الفرسان"



هذه الرواية عذبة جداً ..

تخترق الروح حتى نخاعها .. وتطير بك في عوالم من التجليات التي لا تزال غضة تعاند الزمان والمكان..

تلتقط الرواية محطات من حياة بديع الزمان النورسي .. لتعرفك بعملاق عظيم كما يراه تلميذ عظيم هو فريد الأنصاري ..

بين النورسي والأنصاري .. مدرسة روحية تجبرك على صفّ أقدامك في محراب النّور ..
عطشى إلى مثل هذا النشيد الداوودي كانت روحي .. ولما ترتوي .. 
بين سعيد القديم وسعيد الجديد .. مكابدات ومقامات فيها منّا شبه كبير .. واختلاف كبير ..
فتارة تراها تجذبك إليها وتشجيك بنجواها .. وتارة تراها تطلقك في فضاءات المقامات .. 

بكاء النوارس والحمام .. الفقرة التي تصف رفع الحظر عن الأذان بعد أن أسكتته قوى الظلام قرابة ربع قرن .. كان أثرها شديداً علي "ومن منكم سادتي يستطيع صدّ البكاء؟"

"
والحقول التي لا تروى بالدموع لا تثمر سنابلها أبداً"

"
فلابد من إسطنبول مهما طال السفر"

"
أأعيش هنا كيفما أشاء ثم أطمع في الجنّة"

"
ارفع رأسك نحو السماء يا ولدي عالياً .. حتى إذا اخترقت أذناك حجب الصوت البشري فأنصت!"

"
تلك هي قصة التحدي يا ولدي فاكشف صدرك للسكاكين إن كنت حقاً من الصادقين، وإلا فعلى مواجيدك الكاذبة السلام!"

"
إنّ لفصل العشاق عودة أخرى ليست بزائلة! وإنّ كل فصول الدنيا سترحل نحو ربيع أبدي فأنشد قصيدة الأمل جهراً.. ولا يغرنّك تقلب خفافيش الظلام في البلاد"

الجمعة، 26 يوليو 2013

حتى تكون خصمي، يجب أن تكون شيطاناً كاملاً وإلا ...

"المعتصمين في رابعة العدوية يمارسون جهاد المناكحة"   
"المعتصمين في ميدان التحرير يمارسون الدعارة"
"المعتصمين في رابعة يحتشدون بسبب تقديم وجبات إفطار وسحور"         
"المعتصمين في التحرير يأكلون الكنتاكي مجاناً"
"المعتصمين في رابعة متشددين" 
"المعتصمين في التحرير يفطرون في نهار رمضان"

وتستمر التهم .. وتستمر محاولات دفع التهم .. وتستمر محاولات إثبات التهم ..

وبعد حين نسأل أنفسنا: ما كان أصل الخلاف؟ وهل هذه هي حقاً الأسباب التي حشدتنا في معسكرين مختلفين؟

يبدو أننا لا نستطيع أن نتخذ خصماً لأسباب سياسية أو فكرية فقط، بل يجب أن نشيطنه أخلاقياً واجتماعياً ..

كان في منهاج دراستنا في الجامعة مادة عن كيفية إجراء البحث الأكاديمي، وكان من الأساسيات التي تُدرَّس في هذه المادة ما يسمى بالأخطاء المنطقية logical fallacies. وهذه التسمية تعبر عن أساليب في النقد والاختلاف تبدو منطقية إلا أنها خاطئة.
وكان منها
ما يسمى بـ ad hominem ولست أعرف ترجمة حرفية للتسمية إلا أنها تشير إلى أسلوب في الخطاب أو النقد يهاجم شخص الخصم الفكري أو السياسي بدل فكرته أو توجّهه السياسي. وكانت تُعطَى لنا تدريبات في هذه المادة نطالب فيها باستخراج هذه الأخطاء من كتابات لكتّاب كبار، وكانت الفكرة والعملية برمّتها عبقرية بالنسبة لي لأنها أرتني فيما أقرأ أشياء ما كنت أراها من قبل ..
وكانت عبقرية لأنني بدأت أنتبه كيف يضيع جوهر الخلاف في تفرعات لا علاقة لها .. وهي قد لا تكون تفرعات ثانوية أو هامشية إلا أنه قد لا يكون هذا زمانها أومكانها الصحيحين. فمثلاً .. وجود دعارة في مجتمعات مشكلة حقيقية يجب بحثها ومواجهتها ولكن ليس هذا مكانها ولا حينها ..

لماذا نسعى أن نثبت أن خصمنا السياسي منحل أخلاقياً؟ ألا يمكن أن يكون منحرفاً سياسياً ومتزناً أخلاقياً أوملتزماً دينياً؟

كان سيدنا علي رضي الله عنه يحارب الخوارج ويقارعهم وهو يشهد لهم بالإيمان وبحسن العبادة، ولكنهم منحرفون سياسياً وهذا كاف! كان رضي الله عنه يقول: " إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا" .. ولعل هذا تفسير عملي لوصف رسول الله المؤمن بأنه إذا خاصم لا يفجر ..

ثم .. هل هذا حقاً ما يعنينا في الموقف؟
يعني لنفترض أن المحتشدين في التحرير لا يمارسون الدعارة ولا يفطرون في رمضان - وأنا هنا لا أثبت ولا أنفي شيئاً - فلو كان الوضع كذلك هل يختفي أصل الخلاف وهل تزول دواعي التدافع؟

الحقيقة أن هذا الاتجاه في الخصومة يفسره أحد أمرين، أما الأول فهو أننا لا نرى الخلاف السياسي مبرراً أو كافياً مالم يصحبه جرم أخلاقي. وهذا متوقع مننا كشعوب لم تعتد أن تكون السياسة موضع خلاف وقد لا تحسن معالجة الخصومة فيها ..
أما الثاني فهو الحشد أي استفزاز أولئك الذين لا يستطيعون تكوين رأيي سياسي ولكنهم بلاشك يستطيعون تكوين موقف أخلاقي. مثلاً كم عدد الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانقلابات العسكرية عبر التاريخ في مقابل الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانحلال الجنسي؟ وكم عدد المدركين لمساوئ الثيوقراطية في مقابل الذين يدركون مساوئ العنف والإرهاب؟

والملفت للنظر أن التهم التي يتبادلها الطرفان هي في الغالب ذاتها، أي يرمي هؤلاء أؤلئك بالانحلال الأخلاقي أوالتشدد المعادي لكل مخالف .. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا نعود في نقاشنا إلى ما نحن متفقين على أنه رذيلة وننسى ما نحن مختلفين فيه بالفعل ويستدعي أن يُناقش ..
والنتيجة هي تضييع الوقت والجهد وميادين الحوار في نقاشات لا تمس ولا تقترب من أصل الخلاف ولعلنا نضيع فرصة حقيقية لنقاش متعقّل يوصل إلى مكان ما، بدل اللامكان الذي نتخبط فيه ..

أقول هذا لأن الوضع في هذا الذي يسمى بالعالم العربي بدأ يصبح "خانقاً" بكل ما تعنيه الكلمة .. ويبدو أن شعار المرحلة القادمة "الاكتفاء الذاتي من الموت .. كلٌّ يموت في بلده!" ..


بالله عليكم .. إن كان كتب علينا أن نعيش هنا .. ومعاً .. فلنرأف بنا !!

الخميس، 27 يونيو 2013

على هامش "أنا" لـ عبّاس محمود العقّأد


"الكاتب الأمريكي وندل هولمز يقول إن الإنسان - كل إنسان بلا استثناء - إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة: الإنسان كما خلقه الله .. والإنسان كما يراه الناس .. والإنسان كما يرى هو نفسه"

هذا الاقتباس الذي يتصدر أولى مقالات الكتاب هو الذي شدّني لقراءة الكتاب بعد تردد ..
الحق أنني لم أقرأ الكتاب لأتعرف على العقاد بقدر ما قرأته لأقترب من ذاتي .. والعقاد هو أديب أحترمه وأحب كتاباته، إلا أن هذا الكتاب جاء ضمن سلسلة قراءات تتعلق بمناوشات أمرّ بها مع نفسي حول الإنسان والإنسانية والحياة والهدف والغايات والمآلات ..

وقد أفادني هذا الكتاب لأن ما سجّله الكاتب هنا هو في جزء كبير منه قابل للتعميم أو على الأقل للتعلم ..
وليس الأسلوب شخصياً ضيقاً يروي أحداثاً ويسرد أسماء كما تكون بعض السير الذاتية ..

في هذا الكتاب ترى العقاد الباحث يقدم لك نتاج جولات معرفية وفكرية في علوم وفلسفات وعقائد شتى، ويبنى على ذلك كله رؤى عن الحياة والإنسان، عن الطبائع والأخلاق، عن البواعث والغايات وأمور أخرى كثيرة ..

وفي هذا الكتاب أيضاً ترى العقاد الأديب يطوف بك في عوالم الفن والموسيقى والشعر والنحت، فيطرق في نفسك جوانب لربما أهملت منذ حين ليعيدك إلى الحياة بنفسٍ أقدر على تقدير ما أبدعته الموهبة الإنسانية من جمال .. 
ويحدثك الأديب أيضاً عما كتب وعما لم يكتب وعما يريد أن يكتب .. كما يحدثك عن أسلوبه في الكتابة وفي القراءة .. وفي هذا فائدة كبيرة لمحبي الأدب والمشتغلين به ..

وفي هذا الكتاب ترى العقاد الإنسان الذي خاض وعرف وعثر ووقف، فتجده يرسم لك الخطوط العريضة عن ما وصل إليه من قناعات في الحب والإيمان، في الصداقة والعداوة، في الموهبة والعمل وغير هذا وذاك ..

 
وفيه أيضاً ترى العقاد الجدّ .. يروي لك انتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى .. فيحدثك عن الطفولة والنشأة، وعن الشباب والمغامرات، وعن النضج والتجارب، وعن الكهولة والحياة .. فيبسط لك ما وصل إليه من عبر ودروس ..

ولعل أكثر ما أعجبني في الكتاب هو أن العقاد من الأعلام الذين لا يصنفون "شيوخ دين" ولا "دعاة إلحاد" ..فهم بعيدون عن الخرافات والسخافات بعدهم عن التعنّت والاجتراء .. بل هو أولاً وقبل كل شيء إنسان وهو من ثم روح حرة وعقل مفكر .. هؤلاء برأيي هم الذين يصلحون للحديث عن الإنسان والنفس الإنسانية لأنهم يصدقون أنفسهم والآخرين ..

وأخيراً بعض اقتباسات:
"إننا نكبر بالليل جداً يا صاح .. إن الليل هو عالم النّفس، وأما النّهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان"

"قل إنّ الكون حركة لا مادة فيه. ذلك أيسر من أن تقول: إنّ الكون جرم لا روح فيه! قل إنّ الكون نور. قل إنّ الله نور السماوات والأرض. فإذا قصر بك الحسّ عن نور الله فثق أن الضياء الذي يملأ الفضاء هو النّور الإلهي الذي كتب لابن الفناء أن يراه"

"ولكنني أحب من حين إلى حين أن أستغرب ما آلف وأن آلف ما أستغرب"

"وما لم يكن الإنسان مجرماً غارقاً في الإجرام أو نذلاً مغرقاً في الخسّة فعيوبه وخطاياه "قاسم مشترك أعظم" بينه وبين الآدميين جميعاً من قبل الطوفان إلى نهاية الزمان"

"أحسن الظن بالناس كأنّهم كلهم خير واعتمد على نفسك كأن لا خير في الناس"

"وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخّرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة"

"فلسفة حياة في بضعة سطور: غناك في نفسك، وقيمتك في عملك، وبواعثك أحرى بالعناية من غاياتك، ولا تنتظر من الناس كثيراً"

الكتاب جميل وسلس .. للمقبلين عليه: قراءة ممتعة  :)




الثلاثاء، 14 مايو 2013

على هامش "قواعد العشق الأربعون" لـ إيليف شفق




قرأت هذه الرواية باللغة الانكليزية وآثرت أن أكتب ملاحظاتي بالعربية لسببين الأول تحيّز لا تفسير له عندي إلا أنني أفضّل العربية على كل لغات الكون :-)
 
والثاني هو كثرة ما كُتِب عن هذه الرواية بالانكليزية وأن حاجة تعريفها إلى القارئ العربي أكبر ..

تروي الكاتبة في صفيحات روايتها قصة شمس الدين التبريزي ولقائه بجلال الدين الرومي من خلال رحلة صوفيّة عميقة وذات دلالات ..
الرواية غوص في عوالم الروح إلى أعمق مدى .. تضعك أمام نفسك بضعفك وقوتك، بكبرك وتواضعك، بنبلك ووطاءتك..

 
الأسلوب فيها رائع جداً فقد اختارت الكاتبة أن تجعل رواية داخل رواية، ونجحت في أن تربط بينهما وترسم حدوداً واضحة بحيث لا يتشوش القارئ ولا ينزعج من التداخل .. وهي بذلك أخبرت قصتين مختلفتين ومتشابهتين في وقت واحد. وضمنت جذب القارئ الذي إن قلّ حماسه لإحدى الروايتين اشتد للأخرى.

وهناك شيء مهم في مسألة الروايتين أيضاً هو أن الكاتبة تقرّب للقارئ قصة تبدو بعيدة في عصرها وتفاصيلها بعكسها على أحداث حاضرة ومعاصرة .. 

باختصار فكرة الروايتين أبهرتني ولم أكن قرأت شيئاً كهذا من قبل ..

وشيء آخر لفت نظري في الأسلوب هو جعل الشخصيّات تتحدث، فكل فصل في الرواية يُحكى بلسان إحدى شخصياتها. أعتقد أن هذا أضفى كثيراً من الحيوية والجمال إلى القصة.

أما من حيث المحتوى فالرواية تتناول أفكار التصوف بكثير من الإعجاب والاحترام، والحق أن كثيراً من هذه الأفكار نحتاجها اليوم ويجب أن نسعى لإحيائها فالتواضع ومحبة الإنسان بل كل المخلوقات ولزوم ما يعنيك والتأمل في الكون ومعرفة النفس والصلة مع الله كل هذه معانٍ جميلة هي روح التصوف وجانبه المشرق .. كما أن السموّ الروحيّ والسعي الدائم لبلوغ مراتب الحب الإلهي ولتحطيم الحجب وللنفاذ إلى معنى الكون وغايته كلّ هذه قِيَم غريبة على عالمنا المتحجّر..

السرد في الرواية حسي تصويري لطيف، وعامل التشويق حاضر. والقصة منطقية في طولها وتفصيلها فلا هي مملة ولا تنطوي على تكرار.

أما ما آخذه على الرواية فعدة نقاط ..
أولاً – في القصة تبدو بعض إشكالات الأفكار الصوفية وتبدو أوضح ما تبدو في التداخل ما بين الحب الإلهي والحب البشري، فمثلاً في مرحلة من مراحل القصة لم أعد أفرّق ما إذا كان الكلام عن حب الله أم عن الحب الذي نشأ بين شمس والرومي .. ردّ المتصوفة على هذا سيكون أن الفروق كلها تزول لأن الأنا تختفي ويبقى الحب وحده يغمر ويشمل كل شيء .. ومع جمال هذه الفكرة إلا أنها مشكلة – ولا أتحدث عن العقيدة – وإنما أتحدث عن استدامة حالة كهذه .. الحق أن الأنا تغيب أحياناً ولا يمكن أن تغيب دوماً بل لا يجب أن تغيب دوماً .. نحن نصلح ذواتنا عندما نشعر بها ونقصد الاستقامة لأنفسنا إذا شعرنا بتقصيرها ونسعى في الأرض إعماراً انطلاقاً من وعينا بوجودنا ومهمتنا .. وفكرة غياب الذات تنسف كل ما سبق، ولعل الخلل وقع هنا فالصوفية الذين اعتزلوا الدنيا بخيرها وشرها لم يسدوا خدمة للدين ولا للدنيا ..

ولقد برز الحبّ في حياة رسول الله حباً إلهياً وحباً بشرياً فما اختلطت علينا الأمور بل كان التناغم والترابط واضحاً وجلياً..

ثانياً – لا تخلو القصة من بعض الشطحات ومن إشارات هنا وهناك إلى أن الأوامر والنواهي يتضاءل حجمها ويخفت صوتها أمام داعي الحب وسمو الروح، وأنا مع الذين لا يرون عذراً في الحب عن الاستجابة للحبيب. فما معنى أن تشرب الخمر حتى تحطّم سمعتك وتهذب نفسك عن الاغترار بما يقول الناس؟ 
والحكم أولاً وآخراً لصاحب الحكم لكننا نتحرى الصواب ..
وطبعاً هناك حضور لفكرة الحلول والاتحاد وغيرها من الأفكار المرفوضة عند عامة المسلمين والتي تؤخذ على المتصوفة. وأنا من الذين لا يكفّرون ولا يفسّقون ولكني أرى أن هذه حالات شخصية جداً، الله بها أعلم، وهي على كل حال لا تُعَمّم ولا تُعلّم..

ثالثاً – نهاية الرواية حزينة وهذا مأخذ آخذه على الكاتبة، لم يكن عليها أن تختم بالألم على الأقل في الرواية الموازية.
تزعجني النهايات الحزينة في الأفلام والروايات ولا أفهم بصدق شغف البعض بالخاتمة المبللة بالدموع. نعم أفضّل أفلام الكرتون حين كان الخير دائماً ينتصر والغائب يعود وتصبح الحياة جميلة..
نحن نقرأ الخيال لنبتعد عن الواقع فما الداعي إلى أن نجعل عالم خيالنا بقتامة الواقع؟ لا أريدها أن تكون واقعية، فلتكن سعيدة وحسب!
ثمّ .. لماذا يجعل الكاتب بطله يقوم بكل الأشياء غير المنطقية والتي لا تحدث على أرض الواقع، فإذا بلغ الخاتمة تذكر لسبب ما أنها يجب أن تكون واقعية؟!                    (هذه "تعصيبة" آخر الرواية كان يجب أن أنفّس عنها ;-) )

وعلى كل حال فالرواية رائعة .. لم أندم أبداً على قراءتها وأنصح بها بشدة  ..

* الرواية باللغة العربية: «قواعد العشق الأربعون» (دار طوى ــ ترجمة خالد الجبيلي)


السبت، 11 مايو 2013

وخلف تلك الوجوه عالم آخر ..



 - لم تجد مساحيق التجميل إلى وجهها سبيلاً .. ومع ذلك كانت جميلة حداً لا تخطئه العين ..
حاجباها المهذبان بعناية كقطعتي ليلٍ هامتا بعينيها السوداوين فلم تقويا على الفراق ..
قسمات وجهها حادة تشعّ بالثقة .. ونقاء بشرتها يفسح للناظر مجالاً من الخيال المجنّح ..
أنيقة .. هادئة .. 
ستة عشر عاماً خلت من عمرها .. أوصلتْها إلى غاية التفتّح الذي كانت عليه لما التقيتُها..
أدخلتُها إلى الغرفة وما إن بدأت تروي قصتها حتى رأيت شخصاً آخر ..
اختنق صوتها في زحمة من الشهقات .. وغاب بريق عينيها الأخّاذ خلف سيل من الدموع .. وراحت تروي قصة تركت في روحها جرحاً لا يريد أن يلتئم ..
"كلما احرك شعري هيك ينزل منه الزجاج يلي تكسر من التفجير" 
وكنت أجلس أمامها أحاول أن أتخيل شعرها الأسود الذي خبّأه حجاب أنيق ..
ومع نهاية المقابلة .. رأيت روحاً مهترئة .. وقلباً منهكاً .. ونفسية مهزوزة .. تختبئ خلف ستارة من الجمال تسرّ الناظرين ولا تسلّي عن القلب شيئاً..

-  كان مرحاً لطيفاً .. ولبقاً أنيقاً ..
دخل الغرفة وبدأ يتحدث بإنجليزية أنيقة أيضاً ..
شاب في مقتبل العمر ينتظر طفله الأول .. ويتحدث عن زوجته بقدر من الحب والتقدير غبطتُها عليه ..
وبدأ يروي قصته .. حتى وصل إلى مفترق هام فيها .. فبكى  ..
وتمنّيت لحظتها لو تنشق الأرض لتبلعني .. أحسست بكيانه الرجولي الأنيق ينهار مرة واحدة .. أنا لم أعِبْ عليه بكاءه ولكنّي تألّمت لتحرّجه من الدموع التي غالبها فغلبته ..
مع نهاية المقابلة .. رأيت ماضٍ مغرق في الألم .. وجراح غائرة في الروح .. يختبئان خلف ابتسامة رزينة وشخصية جذابة تحاول بكل الطاقة الإيجابية التي فيها أن تتطلع إلى مستقبل أفضل ..

-  حذرني كل من قابلها من العاملين في المفوضية من شراسة طبعها .. بل لقد نصح البعض بألا أتولى قضية تلك اللاجئة كوني جديدة على العمل .. وقيل لي إنها لا تزور المكتب مرة إلا ويصحبها "زلزال" وإنها تشاجرت مع العاملين بدءاً بمسؤولة الحماية وحتى السائقين.. 
ثم تسلّمتُ الملف خاصّتها وقمت فيه بجولتي المعتادة .. قرأت قصّتها المؤلمة ثم انتظرت يوم لقائي بها لأحلّ اللغز ..
دخلَتْ علي بثقة عالية وما إن أرشدتُها إلى مقعدها وربما قبل أن أوجّه لها السؤال الأول باشرتني باعتراض عريض .. وراحت تنثر على مسامعي محاضرة طويلة وتهاجم العاملين في المفوضية جملة وأفراداً .. 
لم تكن ردة فعلي مفاجَأةً بقدر ما كانت محاولةً لاحتواء الموقف، فالتمهيد الذي تلقيته قبل مجيئها كان قد أعطاني فكرة عن الشخص الذي سأقابل  ..
حاولت أن أتجنب الصدام وأتابع عملي بأقل الخسائر .. لكني بعد أن غصت في قصة هذه اللاجئة أدركت أن وراء غضبها الذي لا ينطفئ وثورتها العارمة التي تنفجر في وجه كل أحد وأي أحد صدمة نفسية كبيرة .. وفهمت أن الإنسانة الماثلة أمامي تفرّغ طاقة ضخمة من الإحباط والألم ..
وبالرغم من صراخها المتواصل وأسلوبها البعيد عن أي لباقة أو أدب .. إلا أنني أشفقت عليها ..
لم يكن لدي شك أنها تعاني أزمة نفسية شديدة .. ولم أخاطر بالطبع بأن ألمّح لذلك لعلمي أنها خطوة لا تحمد عقباها  ;-)
 
اختلفت انطباعاتي في القصص الثلاث .. كما اختلفت في قصص غيرها .. ولكن الدرس الذي تعلمته هو أن عيوننا لا ترى إلا الستارة .. إن خلف الوجوه عوالم لا نصل إليها ..
وحينها فقط فهمت معنى "التمس لأخيك سبعين عذراً"
بدأت أسأل نفسي: عندما نرى وجوه الناس في الشارع هل نتخيل أن وراء كل وجه حكاية؟
وعندما يسيء أحدهم إلينا هل يخطر ببالنا أن هذه الإساءة لربما هي غضبة من شيء آخر قُدّر لها أن تنفجر الآن وهنا؟
وهل نهمس لأنفسنا "لنتجاوز عنه، لعله ألمٌ قديم"

قد يقول البعض: يكفي كل واحد منّا همّه .. صحيح .. ولكن قل لي إذا لم تضع في اعتبارك أن للآخرين هموماً فلماذا يتوجب عليهم أن يضعوا همومك في اعتبارهم؟

"التمس لأخيك سبعين عذراً"

"التمس لأخيك سبعين عذراً"
"التمس لأخيك سبعين عذراً"


*مصدر الصورة: http://forum.al-wlid.com/t38236.html

الثلاثاء، 7 مايو 2013

عن هذه الثورة في التعليم أتحدّث ..


دُعِيتُ إلى جامعتي من قبل إحدى الدكاترة الذين درّسوني لإلقاء كلمة عن تجربتي في العمل في مفوضيّة اللاجئين ..
دخلت مكتبها فرحبت بي أجمل ترحيب .. ثم استمعت إلى أخباري منذ تخرجت قبل عام تقريباً باهتمام وإنصات .. سألت عن التفاصيل بدأ من العائلة مروراً بإنجازات العام المنصرم وحتى خطط المستقبل .. ثم أثنت على سعيي وجهدي وحثتني على الصبر على ما ذكرت من صعوبات .. وعبّرت عن فخرها بما قمت وأقوم به ..

ثم دخلنا الصف فعرفت بي تعريفاً لطيفاً ومليئاً بالاحترام .. وأعطتني مكانها لتجلس بين الطلاب وتستمع باهتمام لما أقول ..
تكلمتُ في فصلين من الفصول التي كان يفترض أن تحاضِر هي فيهما ولكنها لم تجد حرجاً من إعطائي كل هذا الوقت ..

الحق أن التجربة كانت رائعة بالنسبة لي .. لا أخفي أن جزءً من سروري بها قادم من نشوة تعتريني كلما قمت بمهمة قريبة للتدريس ..
لكنني أيضاً سعدت لأسباب أخرى ..

عندما يستدعيك مدرّسك ليستفيد زملاؤك ويستفيد هو أيضاً مما تعلمت في المجال العملي .. فهو يرسّخ أنّ ذاك الإنسان الخارق العالم بكل شيء غير موجود ..

وعندما يشجع الطلاب على أن يستغلّوا الفرصة لتوجيه الأسئلة لك .. تشعر بقيمة ما عندك وتصبح بالفعل أحرص عليه وأكثر تصميماً على الاستفادة والإفادة منه..

وعندما لا يجد هذا المعلّم حرجاً من أن يسألك أمام طلابه سؤالاً عن فكرة ذكرتها خلال الكلمة ولم يكن هو يعرفها .. تشعر أن احترامك له وفي الغالب احترامهم له زاد مئة مرة ..
وعندما يقف بعد الكلمة ليناقشك باهتمام بتلك الفكرة .. يذكّرك أن التّعلّم هو عمليّة تستمرّ طوال الحياة ..

وعندما تشعر أن صلتك بالجامعة وبمدرّسيك لا تنقطع بمجرّد استلام الشهادة وأنّهم مهتمّون بك وبما تفعل .. تشعر أن السّند موجود وأن الدّعم لا يزال يشكّل حافزاً لك لتنجز أكثر ..
وعندما تُعطى الفرصة للخرّيجين أن يلتقوا بالذين سيلحقون بهم .. تشعر أن الرّؤية تكتمل بصورة أفضل لدى كليهما..

نعم عن هذا الجوّ من الاحترام والتّقدير المتبادل أتكلم ..
ولهذا السّبب أسبّ منظومة التّعليم التي سبق أن عايشتها سنوات .. وكان "يُتخيَّل" فيها أنّ احترام المعلّم يتناسب طرداً مع ارتفاع صوته .. وأن هيبته تتناسب طرداً مع طول عبوسه .. وأن قدرته على التّعليم تتناسب طرداً مع عدد الذين يدرسون خوفاً من إرهابه ..







الأحد، 21 أبريل 2013

على هامش "سأخون وطني"



"ثم إنني أحب هذا الوطن من محيطه إلى خليجه، فأينما كنت، ما إن أقرأ اسمه في جريدة، أو أسمعه في إذاعة حتى أتجمّد كنهر سيبري، كعريف في حضرة جنرال، إنني أحبّه، قدّروا ظروفي وعواطفي"

"بعد ثلاثين سنة من الثقة المتبادلة بين المواطن العربي وأجهزة الإعلام العربية، نعلم أنه عندما تركز الأجهزة على قضية ما وترعاها فجأة بكل ما عندها من صحف ومجلات وخطب ومهرجانات ومطربين ومطربات، فمعنى ذلك أن نقرأ الفاتحة قريباً على هذه القضية"

"بدون راديو أو صحف أو تلفزيون. أنا أقول لك آخر وأول الأخبار منذ النكبة حتى الآن. كل طبخة سياسية في المنطقة، أمريكا تعدها، وروسيا توقد النار تحتها، وأوربا تبرّدها، وإسرائيل تأكلها، والعرب يغسلون الصحون."

"الأرض . . . قبل بيارات البرتقال وبساتين الليمون، قبل زرقة البحر وغناء الصيادين ومواويل الفلاحين، قبل الزراعة والصناعة والفن والعلم والمعرفة واليمين واليسار، والماضي والحاضر والمستقبل ولكنها ليست قبل الحرية"

مؤلم هذا الكاتب .. تماماً كالواقع الذي يعكسه .. ورغم خفة دم الماغوط وقدرته على سحب الابتسامة من بين مئات الدمعات إلا أنه ليس أقل مهارة في فعل العكس. لن تأمن على عينك البكاء طالما أنت تقرأ شيئاً بصدق هذه الكلمات .. بحرارتها .. ببساطتها .. بمباشرتها

نشر الكتاب في 1987 .. إيـــــــــه ولا زالت معظم آهاته تتردد على ألسنتنا ..
إلا أن الأمور تتحرك .. ..ببطء .. بتخبط .. بدماء .. بتعثر .. إلا أنها تتحرك ..

كم كنت أود أن أعرف رأي الماغوط في كثير من الأحداث التي تجري اليوم على أرض الوطن الذي يبث حبه له وحرقته عليه في كتاباته ومسرحياته ..

الجمعة، 19 أبريل 2013

على هامش "بلدي"



شيء واحد اتفق عليه كثيرون ممن قرؤوا هذا الكتاب هو أنه لا يمكن تصنيفه. عندما ألقيت أول نظرة على غلاف الكتاب قرأت تحت عنوانه "رواية" ولما تصفحته قلت لنفسي هل حقاً أنا على وشك أن أقرأ رواية يزيد عدد صفحاتها عن الخمسمئة؟ ولكنني عندما بدأت القراءة لم أجد رواية ولا كتاب أدب ولا شعر ولا قصة .. كلما وجدته كان كتاباً يشدني بشدة وينقلني لعوالم أحببت جداً أن أبقى فيها مدة طويلة ..
في الجزء الأول وحتى منتصف الكتاب تقريباً يشرح الكاتب بإسهاب ممتع كيف سيكتب الكتاب، موضوعه، فكرته، نوعه وأمور أخرى .. ومع أنني لست من محبي الإسهاب في العادة إلا أن رسول قد أبدع هنا فلم أفلت من قبضته ..

في هذا الكتاب كثير من الحكمة .. في قصصه ألوان زاهية تراها مصورة أمامك .. وبين صفحاته تشم رائحة الثقافة التي كتب هذا الكتاب عنها ..

هنا عاشق لوطنه يخطه على صفحات الأدب أسطورة من الجمال .. 
رسول .. كم رأيت في داغستانك دمشقي .. 
رقيّ محبّتك لبلادك كان يسحرني .. وإبداعك ودقتك في تصويرها أيضاً كان يشعرنني أنني أسير بصحبتك بين جبالها ..
أبو طالب .. حمزة تسادسا .. المغني محمود .. الإمام شامل .. الحاج مراد .. وأسماء وأسماء .. أصبحت الآن في ذاكرتي عقداً من ذكريات ومعان جميلة ..

"مهما كان جميلاً شكل الكتاب الذي كتب للشكل وحده فإنه لا يمسّ قلب الإنسان" 

أما كتابك يا رسول فقد مس القلب .. وجداً ..

"أريد أن أكون كاتباً لا أن أملأ دور كاتب"

كنت هو .. أعتقد أنك الكاتب الذي أردت أن تكون يا رسول  ..