قرأت هذه الرواية باللغة الانكليزية وآثرت أن أكتب ملاحظاتي بالعربية لسببين الأول تحيّز لا تفسير له عندي إلا أنني أفضّل العربية على كل لغات الكون :-)
والثاني
هو كثرة ما كُتِب عن هذه الرواية بالانكليزية وأن حاجة تعريفها إلى القارئ العربي
أكبر ..
تروي الكاتبة في صفيحات روايتها قصة شمس الدين التبريزي
ولقائه بجلال الدين الرومي من خلال رحلة صوفيّة عميقة وذات دلالات ..
الرواية غوص في عوالم الروح إلى أعمق مدى .. تضعك أمام
نفسك بضعفك وقوتك، بكبرك وتواضعك، بنبلك ووطاءتك..
الأسلوب فيها رائع جداً فقد اختارت الكاتبة أن تجعل
رواية داخل رواية، ونجحت في أن تربط بينهما وترسم حدوداً واضحة بحيث لا يتشوش
القارئ ولا ينزعج من التداخل .. وهي بذلك أخبرت قصتين مختلفتين ومتشابهتين في وقت
واحد. وضمنت جذب القارئ الذي إن قلّ حماسه لإحدى الروايتين اشتد للأخرى.
وهناك شيء مهم في مسألة الروايتين أيضاً هو أن الكاتبة
تقرّب للقارئ قصة تبدو بعيدة في عصرها وتفاصيلها بعكسها على أحداث حاضرة ومعاصرة ..
باختصار فكرة الروايتين أبهرتني ولم أكن قرأت شيئاً كهذا
من قبل ..
وشيء آخر لفت نظري في الأسلوب هو جعل الشخصيّات تتحدث،
فكل فصل في الرواية يُحكى بلسان إحدى شخصياتها. أعتقد أن هذا أضفى كثيراً من
الحيوية والجمال إلى القصة.
أما من حيث المحتوى فالرواية تتناول أفكار التصوف بكثير
من الإعجاب والاحترام، والحق أن كثيراً من هذه الأفكار نحتاجها اليوم ويجب أن نسعى
لإحيائها فالتواضع ومحبة الإنسان بل كل المخلوقات ولزوم ما يعنيك والتأمل في الكون
ومعرفة النفس والصلة مع الله كل هذه معانٍ جميلة هي روح التصوف وجانبه المشرق ..
كما أن السموّ الروحيّ والسعي الدائم لبلوغ مراتب الحب الإلهي ولتحطيم الحجب وللنفاذ
إلى معنى الكون وغايته كلّ هذه قِيَم غريبة على عالمنا المتحجّر..
السرد في الرواية حسي تصويري لطيف، وعامل التشويق حاضر.
والقصة منطقية في طولها وتفصيلها فلا هي مملة ولا تنطوي على تكرار.
أما ما آخذه على الرواية فعدة نقاط ..
أولاً – في القصة تبدو بعض إشكالات الأفكار الصوفية
وتبدو أوضح ما تبدو في التداخل ما بين الحب الإلهي والحب البشري، فمثلاً في مرحلة
من مراحل القصة لم أعد أفرّق ما إذا كان الكلام عن حب الله أم عن الحب الذي نشأ
بين شمس والرومي .. ردّ المتصوفة على هذا سيكون أن الفروق كلها تزول لأن الأنا
تختفي ويبقى الحب وحده يغمر ويشمل كل شيء .. ومع جمال هذه الفكرة إلا أنها مشكلة –
ولا أتحدث عن العقيدة – وإنما أتحدث عن استدامة حالة كهذه .. الحق أن الأنا تغيب
أحياناً ولا يمكن أن تغيب دوماً بل لا يجب أن تغيب دوماً .. نحن نصلح ذواتنا عندما
نشعر بها ونقصد الاستقامة لأنفسنا إذا شعرنا بتقصيرها ونسعى في الأرض إعماراً انطلاقاً
من وعينا بوجودنا ومهمتنا .. وفكرة غياب الذات تنسف كل ما سبق، ولعل الخلل وقع هنا
فالصوفية الذين اعتزلوا الدنيا بخيرها وشرها لم يسدوا خدمة للدين ولا للدنيا ..
ولقد برز الحبّ في حياة رسول الله حباً إلهياً وحباً
بشرياً فما اختلطت علينا الأمور بل كان التناغم والترابط واضحاً وجلياً..
ثانياً – لا تخلو القصة من بعض الشطحات ومن إشارات هنا
وهناك إلى أن الأوامر والنواهي يتضاءل حجمها ويخفت صوتها أمام داعي الحب وسمو
الروح، وأنا مع الذين لا يرون عذراً في الحب عن الاستجابة للحبيب. فما معنى أن
تشرب الخمر حتى تحطّم سمعتك وتهذب نفسك عن الاغترار بما يقول الناس؟
والحكم أولاً وآخراً لصاحب الحكم لكننا نتحرى الصواب ..
والحكم أولاً وآخراً لصاحب الحكم لكننا نتحرى الصواب ..
وطبعاً هناك حضور لفكرة الحلول والاتحاد وغيرها من
الأفكار المرفوضة عند عامة المسلمين والتي تؤخذ على المتصوفة. وأنا من الذين لا
يكفّرون ولا يفسّقون ولكني أرى أن هذه حالات شخصية جداً، الله بها أعلم، وهي على كل
حال لا تُعَمّم ولا تُعلّم..
ثالثاً – نهاية الرواية حزينة وهذا مأخذ آخذه على
الكاتبة، لم يكن عليها أن تختم بالألم على الأقل في الرواية الموازية.
تزعجني النهايات الحزينة في الأفلام والروايات ولا أفهم
بصدق شغف البعض بالخاتمة المبللة بالدموع. نعم أفضّل أفلام الكرتون حين كان الخير
دائماً ينتصر والغائب يعود وتصبح الحياة جميلة..
نحن نقرأ الخيال لنبتعد عن الواقع فما الداعي إلى أن
نجعل عالم خيالنا بقتامة الواقع؟ لا أريدها أن تكون واقعية، فلتكن سعيدة وحسب!
ثمّ .. لماذا يجعل الكاتب بطله يقوم بكل الأشياء غير
المنطقية والتي لا تحدث على أرض الواقع، فإذا بلغ الخاتمة تذكر لسبب ما أنها يجب
أن تكون واقعية؟!
(هذه "تعصيبة" آخر الرواية كان يجب أن أنفّس عنها ;-) )
وعلى كل حال فالرواية رائعة .. لم أندم أبداً على
قراءتها وأنصح بها بشدة ..
* الرواية باللغة العربية: «قواعد
العشق الأربعون» (دار طوى ــ ترجمة خالد الجبيلي)


