‏إظهار الرسائل ذات التسميات مكتبتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مكتبتي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 نوفمبر 2013

على هامش "آخر الفرسان"



هذه الرواية عذبة جداً ..

تخترق الروح حتى نخاعها .. وتطير بك في عوالم من التجليات التي لا تزال غضة تعاند الزمان والمكان..

تلتقط الرواية محطات من حياة بديع الزمان النورسي .. لتعرفك بعملاق عظيم كما يراه تلميذ عظيم هو فريد الأنصاري ..

بين النورسي والأنصاري .. مدرسة روحية تجبرك على صفّ أقدامك في محراب النّور ..
عطشى إلى مثل هذا النشيد الداوودي كانت روحي .. ولما ترتوي .. 
بين سعيد القديم وسعيد الجديد .. مكابدات ومقامات فيها منّا شبه كبير .. واختلاف كبير ..
فتارة تراها تجذبك إليها وتشجيك بنجواها .. وتارة تراها تطلقك في فضاءات المقامات .. 

بكاء النوارس والحمام .. الفقرة التي تصف رفع الحظر عن الأذان بعد أن أسكتته قوى الظلام قرابة ربع قرن .. كان أثرها شديداً علي "ومن منكم سادتي يستطيع صدّ البكاء؟"

"
والحقول التي لا تروى بالدموع لا تثمر سنابلها أبداً"

"
فلابد من إسطنبول مهما طال السفر"

"
أأعيش هنا كيفما أشاء ثم أطمع في الجنّة"

"
ارفع رأسك نحو السماء يا ولدي عالياً .. حتى إذا اخترقت أذناك حجب الصوت البشري فأنصت!"

"
تلك هي قصة التحدي يا ولدي فاكشف صدرك للسكاكين إن كنت حقاً من الصادقين، وإلا فعلى مواجيدك الكاذبة السلام!"

"
إنّ لفصل العشاق عودة أخرى ليست بزائلة! وإنّ كل فصول الدنيا سترحل نحو ربيع أبدي فأنشد قصيدة الأمل جهراً.. ولا يغرنّك تقلب خفافيش الظلام في البلاد"

الخميس، 27 يونيو 2013

على هامش "أنا" لـ عبّاس محمود العقّأد


"الكاتب الأمريكي وندل هولمز يقول إن الإنسان - كل إنسان بلا استثناء - إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة: الإنسان كما خلقه الله .. والإنسان كما يراه الناس .. والإنسان كما يرى هو نفسه"

هذا الاقتباس الذي يتصدر أولى مقالات الكتاب هو الذي شدّني لقراءة الكتاب بعد تردد ..
الحق أنني لم أقرأ الكتاب لأتعرف على العقاد بقدر ما قرأته لأقترب من ذاتي .. والعقاد هو أديب أحترمه وأحب كتاباته، إلا أن هذا الكتاب جاء ضمن سلسلة قراءات تتعلق بمناوشات أمرّ بها مع نفسي حول الإنسان والإنسانية والحياة والهدف والغايات والمآلات ..

وقد أفادني هذا الكتاب لأن ما سجّله الكاتب هنا هو في جزء كبير منه قابل للتعميم أو على الأقل للتعلم ..
وليس الأسلوب شخصياً ضيقاً يروي أحداثاً ويسرد أسماء كما تكون بعض السير الذاتية ..

في هذا الكتاب ترى العقاد الباحث يقدم لك نتاج جولات معرفية وفكرية في علوم وفلسفات وعقائد شتى، ويبنى على ذلك كله رؤى عن الحياة والإنسان، عن الطبائع والأخلاق، عن البواعث والغايات وأمور أخرى كثيرة ..

وفي هذا الكتاب أيضاً ترى العقاد الأديب يطوف بك في عوالم الفن والموسيقى والشعر والنحت، فيطرق في نفسك جوانب لربما أهملت منذ حين ليعيدك إلى الحياة بنفسٍ أقدر على تقدير ما أبدعته الموهبة الإنسانية من جمال .. 
ويحدثك الأديب أيضاً عما كتب وعما لم يكتب وعما يريد أن يكتب .. كما يحدثك عن أسلوبه في الكتابة وفي القراءة .. وفي هذا فائدة كبيرة لمحبي الأدب والمشتغلين به ..

وفي هذا الكتاب ترى العقاد الإنسان الذي خاض وعرف وعثر ووقف، فتجده يرسم لك الخطوط العريضة عن ما وصل إليه من قناعات في الحب والإيمان، في الصداقة والعداوة، في الموهبة والعمل وغير هذا وذاك ..

 
وفيه أيضاً ترى العقاد الجدّ .. يروي لك انتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى .. فيحدثك عن الطفولة والنشأة، وعن الشباب والمغامرات، وعن النضج والتجارب، وعن الكهولة والحياة .. فيبسط لك ما وصل إليه من عبر ودروس ..

ولعل أكثر ما أعجبني في الكتاب هو أن العقاد من الأعلام الذين لا يصنفون "شيوخ دين" ولا "دعاة إلحاد" ..فهم بعيدون عن الخرافات والسخافات بعدهم عن التعنّت والاجتراء .. بل هو أولاً وقبل كل شيء إنسان وهو من ثم روح حرة وعقل مفكر .. هؤلاء برأيي هم الذين يصلحون للحديث عن الإنسان والنفس الإنسانية لأنهم يصدقون أنفسهم والآخرين ..

وأخيراً بعض اقتباسات:
"إننا نكبر بالليل جداً يا صاح .. إن الليل هو عالم النّفس، وأما النّهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان"

"قل إنّ الكون حركة لا مادة فيه. ذلك أيسر من أن تقول: إنّ الكون جرم لا روح فيه! قل إنّ الكون نور. قل إنّ الله نور السماوات والأرض. فإذا قصر بك الحسّ عن نور الله فثق أن الضياء الذي يملأ الفضاء هو النّور الإلهي الذي كتب لابن الفناء أن يراه"

"ولكنني أحب من حين إلى حين أن أستغرب ما آلف وأن آلف ما أستغرب"

"وما لم يكن الإنسان مجرماً غارقاً في الإجرام أو نذلاً مغرقاً في الخسّة فعيوبه وخطاياه "قاسم مشترك أعظم" بينه وبين الآدميين جميعاً من قبل الطوفان إلى نهاية الزمان"

"أحسن الظن بالناس كأنّهم كلهم خير واعتمد على نفسك كأن لا خير في الناس"

"وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخّرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة"

"فلسفة حياة في بضعة سطور: غناك في نفسك، وقيمتك في عملك، وبواعثك أحرى بالعناية من غاياتك، ولا تنتظر من الناس كثيراً"

الكتاب جميل وسلس .. للمقبلين عليه: قراءة ممتعة  :)




الثلاثاء، 14 مايو 2013

على هامش "قواعد العشق الأربعون" لـ إيليف شفق




قرأت هذه الرواية باللغة الانكليزية وآثرت أن أكتب ملاحظاتي بالعربية لسببين الأول تحيّز لا تفسير له عندي إلا أنني أفضّل العربية على كل لغات الكون :-)
 
والثاني هو كثرة ما كُتِب عن هذه الرواية بالانكليزية وأن حاجة تعريفها إلى القارئ العربي أكبر ..

تروي الكاتبة في صفيحات روايتها قصة شمس الدين التبريزي ولقائه بجلال الدين الرومي من خلال رحلة صوفيّة عميقة وذات دلالات ..
الرواية غوص في عوالم الروح إلى أعمق مدى .. تضعك أمام نفسك بضعفك وقوتك، بكبرك وتواضعك، بنبلك ووطاءتك..

 
الأسلوب فيها رائع جداً فقد اختارت الكاتبة أن تجعل رواية داخل رواية، ونجحت في أن تربط بينهما وترسم حدوداً واضحة بحيث لا يتشوش القارئ ولا ينزعج من التداخل .. وهي بذلك أخبرت قصتين مختلفتين ومتشابهتين في وقت واحد. وضمنت جذب القارئ الذي إن قلّ حماسه لإحدى الروايتين اشتد للأخرى.

وهناك شيء مهم في مسألة الروايتين أيضاً هو أن الكاتبة تقرّب للقارئ قصة تبدو بعيدة في عصرها وتفاصيلها بعكسها على أحداث حاضرة ومعاصرة .. 

باختصار فكرة الروايتين أبهرتني ولم أكن قرأت شيئاً كهذا من قبل ..

وشيء آخر لفت نظري في الأسلوب هو جعل الشخصيّات تتحدث، فكل فصل في الرواية يُحكى بلسان إحدى شخصياتها. أعتقد أن هذا أضفى كثيراً من الحيوية والجمال إلى القصة.

أما من حيث المحتوى فالرواية تتناول أفكار التصوف بكثير من الإعجاب والاحترام، والحق أن كثيراً من هذه الأفكار نحتاجها اليوم ويجب أن نسعى لإحيائها فالتواضع ومحبة الإنسان بل كل المخلوقات ولزوم ما يعنيك والتأمل في الكون ومعرفة النفس والصلة مع الله كل هذه معانٍ جميلة هي روح التصوف وجانبه المشرق .. كما أن السموّ الروحيّ والسعي الدائم لبلوغ مراتب الحب الإلهي ولتحطيم الحجب وللنفاذ إلى معنى الكون وغايته كلّ هذه قِيَم غريبة على عالمنا المتحجّر..

السرد في الرواية حسي تصويري لطيف، وعامل التشويق حاضر. والقصة منطقية في طولها وتفصيلها فلا هي مملة ولا تنطوي على تكرار.

أما ما آخذه على الرواية فعدة نقاط ..
أولاً – في القصة تبدو بعض إشكالات الأفكار الصوفية وتبدو أوضح ما تبدو في التداخل ما بين الحب الإلهي والحب البشري، فمثلاً في مرحلة من مراحل القصة لم أعد أفرّق ما إذا كان الكلام عن حب الله أم عن الحب الذي نشأ بين شمس والرومي .. ردّ المتصوفة على هذا سيكون أن الفروق كلها تزول لأن الأنا تختفي ويبقى الحب وحده يغمر ويشمل كل شيء .. ومع جمال هذه الفكرة إلا أنها مشكلة – ولا أتحدث عن العقيدة – وإنما أتحدث عن استدامة حالة كهذه .. الحق أن الأنا تغيب أحياناً ولا يمكن أن تغيب دوماً بل لا يجب أن تغيب دوماً .. نحن نصلح ذواتنا عندما نشعر بها ونقصد الاستقامة لأنفسنا إذا شعرنا بتقصيرها ونسعى في الأرض إعماراً انطلاقاً من وعينا بوجودنا ومهمتنا .. وفكرة غياب الذات تنسف كل ما سبق، ولعل الخلل وقع هنا فالصوفية الذين اعتزلوا الدنيا بخيرها وشرها لم يسدوا خدمة للدين ولا للدنيا ..

ولقد برز الحبّ في حياة رسول الله حباً إلهياً وحباً بشرياً فما اختلطت علينا الأمور بل كان التناغم والترابط واضحاً وجلياً..

ثانياً – لا تخلو القصة من بعض الشطحات ومن إشارات هنا وهناك إلى أن الأوامر والنواهي يتضاءل حجمها ويخفت صوتها أمام داعي الحب وسمو الروح، وأنا مع الذين لا يرون عذراً في الحب عن الاستجابة للحبيب. فما معنى أن تشرب الخمر حتى تحطّم سمعتك وتهذب نفسك عن الاغترار بما يقول الناس؟ 
والحكم أولاً وآخراً لصاحب الحكم لكننا نتحرى الصواب ..
وطبعاً هناك حضور لفكرة الحلول والاتحاد وغيرها من الأفكار المرفوضة عند عامة المسلمين والتي تؤخذ على المتصوفة. وأنا من الذين لا يكفّرون ولا يفسّقون ولكني أرى أن هذه حالات شخصية جداً، الله بها أعلم، وهي على كل حال لا تُعَمّم ولا تُعلّم..

ثالثاً – نهاية الرواية حزينة وهذا مأخذ آخذه على الكاتبة، لم يكن عليها أن تختم بالألم على الأقل في الرواية الموازية.
تزعجني النهايات الحزينة في الأفلام والروايات ولا أفهم بصدق شغف البعض بالخاتمة المبللة بالدموع. نعم أفضّل أفلام الكرتون حين كان الخير دائماً ينتصر والغائب يعود وتصبح الحياة جميلة..
نحن نقرأ الخيال لنبتعد عن الواقع فما الداعي إلى أن نجعل عالم خيالنا بقتامة الواقع؟ لا أريدها أن تكون واقعية، فلتكن سعيدة وحسب!
ثمّ .. لماذا يجعل الكاتب بطله يقوم بكل الأشياء غير المنطقية والتي لا تحدث على أرض الواقع، فإذا بلغ الخاتمة تذكر لسبب ما أنها يجب أن تكون واقعية؟!                    (هذه "تعصيبة" آخر الرواية كان يجب أن أنفّس عنها ;-) )

وعلى كل حال فالرواية رائعة .. لم أندم أبداً على قراءتها وأنصح بها بشدة  ..

* الرواية باللغة العربية: «قواعد العشق الأربعون» (دار طوى ــ ترجمة خالد الجبيلي)


الأحد، 21 أبريل 2013

على هامش "سأخون وطني"



"ثم إنني أحب هذا الوطن من محيطه إلى خليجه، فأينما كنت، ما إن أقرأ اسمه في جريدة، أو أسمعه في إذاعة حتى أتجمّد كنهر سيبري، كعريف في حضرة جنرال، إنني أحبّه، قدّروا ظروفي وعواطفي"

"بعد ثلاثين سنة من الثقة المتبادلة بين المواطن العربي وأجهزة الإعلام العربية، نعلم أنه عندما تركز الأجهزة على قضية ما وترعاها فجأة بكل ما عندها من صحف ومجلات وخطب ومهرجانات ومطربين ومطربات، فمعنى ذلك أن نقرأ الفاتحة قريباً على هذه القضية"

"بدون راديو أو صحف أو تلفزيون. أنا أقول لك آخر وأول الأخبار منذ النكبة حتى الآن. كل طبخة سياسية في المنطقة، أمريكا تعدها، وروسيا توقد النار تحتها، وأوربا تبرّدها، وإسرائيل تأكلها، والعرب يغسلون الصحون."

"الأرض . . . قبل بيارات البرتقال وبساتين الليمون، قبل زرقة البحر وغناء الصيادين ومواويل الفلاحين، قبل الزراعة والصناعة والفن والعلم والمعرفة واليمين واليسار، والماضي والحاضر والمستقبل ولكنها ليست قبل الحرية"

مؤلم هذا الكاتب .. تماماً كالواقع الذي يعكسه .. ورغم خفة دم الماغوط وقدرته على سحب الابتسامة من بين مئات الدمعات إلا أنه ليس أقل مهارة في فعل العكس. لن تأمن على عينك البكاء طالما أنت تقرأ شيئاً بصدق هذه الكلمات .. بحرارتها .. ببساطتها .. بمباشرتها

نشر الكتاب في 1987 .. إيـــــــــه ولا زالت معظم آهاته تتردد على ألسنتنا ..
إلا أن الأمور تتحرك .. ..ببطء .. بتخبط .. بدماء .. بتعثر .. إلا أنها تتحرك ..

كم كنت أود أن أعرف رأي الماغوط في كثير من الأحداث التي تجري اليوم على أرض الوطن الذي يبث حبه له وحرقته عليه في كتاباته ومسرحياته ..

الجمعة، 19 أبريل 2013

على هامش "بلدي"



شيء واحد اتفق عليه كثيرون ممن قرؤوا هذا الكتاب هو أنه لا يمكن تصنيفه. عندما ألقيت أول نظرة على غلاف الكتاب قرأت تحت عنوانه "رواية" ولما تصفحته قلت لنفسي هل حقاً أنا على وشك أن أقرأ رواية يزيد عدد صفحاتها عن الخمسمئة؟ ولكنني عندما بدأت القراءة لم أجد رواية ولا كتاب أدب ولا شعر ولا قصة .. كلما وجدته كان كتاباً يشدني بشدة وينقلني لعوالم أحببت جداً أن أبقى فيها مدة طويلة ..
في الجزء الأول وحتى منتصف الكتاب تقريباً يشرح الكاتب بإسهاب ممتع كيف سيكتب الكتاب، موضوعه، فكرته، نوعه وأمور أخرى .. ومع أنني لست من محبي الإسهاب في العادة إلا أن رسول قد أبدع هنا فلم أفلت من قبضته ..

في هذا الكتاب كثير من الحكمة .. في قصصه ألوان زاهية تراها مصورة أمامك .. وبين صفحاته تشم رائحة الثقافة التي كتب هذا الكتاب عنها ..

هنا عاشق لوطنه يخطه على صفحات الأدب أسطورة من الجمال .. 
رسول .. كم رأيت في داغستانك دمشقي .. 
رقيّ محبّتك لبلادك كان يسحرني .. وإبداعك ودقتك في تصويرها أيضاً كان يشعرنني أنني أسير بصحبتك بين جبالها ..
أبو طالب .. حمزة تسادسا .. المغني محمود .. الإمام شامل .. الحاج مراد .. وأسماء وأسماء .. أصبحت الآن في ذاكرتي عقداً من ذكريات ومعان جميلة ..

"مهما كان جميلاً شكل الكتاب الذي كتب للشكل وحده فإنه لا يمسّ قلب الإنسان" 

أما كتابك يا رسول فقد مس القلب .. وجداً ..

"أريد أن أكون كاتباً لا أن أملأ دور كاتب"

كنت هو .. أعتقد أنك الكاتب الذي أردت أن تكون يا رسول  ..







على هامش "ثلاثون سبباً للسعادة"


في هذه الآيام الصعبة التي نعيشها وبين زحمة السياسة وكتب الفكر وجدت نفسي موهنة متعبة وبدأت أفقد كثيراً من الإشراق الداخلي الذي امتلكته يوماً.. فقررت أن أقرأ هذا الكتيب الخفيف قبل النوم حتى أنام بفكرة إيجابية .. وفعلاً وجدت كلماته رقيقة صادقة .. لعلنا نعرف أغلب هذا الكلام لكن في معمل الحديد لا يُسمَع صوتُ العصفور المغرّد.. هكذا هي السعادة في عالمنا المتحجّر هذا .. عصفورٌ لم يكفّ يوماً عن التّغريد لكنّنا لم نعد نصغِ له، هذا الكتاب جعل عصفوري يغرد بصوت أعلى  ..

اقرؤو الكتاب إذا كنتم بحاجة استعادة للنشاط والأمل والابتسامة  J





مصدر الصور:
http://www.setshatra.com/4/
http://www.goodreads.com/book/show/5201329

على هامش "الخلافات السياسية بين الصحابة"




كتاب في قمة الاعتدال يهديه كاتبه لأولئك الذين "يؤثرون المبدأ على الشخص والوحي على التاريخ".

 يراجع الشنقيطي في هذا الكتاب الخلافات السياسية التي وقعت بين صحابة رسول الله بعد أن ارتقى إلى الرفيق الأعلى. ينطلق من رؤية أن الاعتبار بالتاريخ ممكن فقط حين نبدأ بإزالة هالة القدسية عنه. ويتتبع مواقع العثرات التي تتالت وتراكمت حتى أوصلت أمتنا إلى واقعها السياسي المعاش في يومنا، وأوصلت تراثنا السياسي – حتى وقت قريب – إلى حاله في غلبة ترويج الطاعة دون الثورة، والصبر دون الاعتراض، وقبول الواقع دون السعي إلى تغييره.


يبتعد الشنقيطي في معالجته للوقائع عن التبرير المتكلف أو التهويل المزيف. ويقارن في دراسته بين منهجين من مناهج العلماء في تناول الخلاف الذي وقع بين الصحابة، ويقول قولاً عدلاً ينتقد فيه أتباع مدرسة "التشيُّع السني" كما سماها وهم الذين التمسوا لأفعال الصحابة تبريرات تخرجهم عن بشريتهم فكانوا بذلك كغلاة مدرسة "التشيُّع الشيعي" الذين رفعوا سيدنا علي إلى مراتب لم يصلها نبي ولا بشر.

إن مراجعتنا تراثنا التاريخي مهم جداً لأننا لا نملك أن نضرب عنه الذكر صفحاً كما لا نملك أن نتعامل معه محملاً بآراء لا وقائع ومكتوباً بعاطفة لا بعقل.

كنت أود لو كان الكتاب أطول وأكثر تفصيلاً فنحن في تعطّش لمثل هذه المراجعات. لكن هذا الكتاب من غير شك يفتح باباً لما بعده.

أنصح به كل باحث أو طالب علم يسعى نحو العدل والإنصاف أولاً.



* مصدر الصور:


على هامش "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"



لابدّ أن كلاً منا سأل نفسه يوماً لماذا لا تحترم الشعوب في معظم بلادنا القانون؟ ولماذا يستغلّ الشعب بعضه على كل المستويات؟ ولماذا يسعى الكل لأن يأخذ أكبر قدر ممكن ويعطي أقل قدر ممكن؟ لماذا تنتشر الفوضى ويعم الانحلال إذا غابت العين المراقبة واليد الصارمة حيناً بسيطاً من الزمن؟ هل هذه صفات أصيلة فينا؟ ثم يأتي البعض ويزيد الطين بلّة ليقول إنّه بسبب هذه الصّفات يحكمنا الحكام كما تحكم البهائم وإننا شعوب لا نستحق العدل ولا نفهم الديمقراطية ولا نرعى حرمة القانون! 

في هذا الكتاب يطرح الكواكبي رؤية مختلفة تماماً فمثلاً لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى؟ كيف يؤثر الاستبداد في الشعوب؟ وكيف تتعلم الشعوب الخنوع ثم تتوارثه؟ وكيف يثبت الاستبداد بنيانه الذي شيّد على شفا جرف هار وكيف ينهار في نار جهنم. 

وحيث إن من أخص خصائص الاستبداد أنه على مدى الأزمان يكرر نفسه بصورة رتيبة بلهاء، فإن القارئ يجد في هذا الكتاب واقعاً تراه في أي بلد من تلك البلاد التي سيطر عليها سفاح دموي أو ملك سلطوي. تعرف حين تجول بين صفحات هذا الكتاب كيف يترك الاستبداد أثره في نفوس الشعوب فيفسدها، وفي هِمَمِها فيُمِيتَها وفي أخلاقِها فيَهدِمها وفي تربيتها فيطْمسَهِا. 

كتاب رائع .. أنصح به بشدة  ..


عليك رحمة من الله وبركات .. وجزاك الله عنا كل خير أيها الكواكبي ..

* مصدر الصور:
http://kafaaa.blogspot.ae/2009/11/blog-post_4301.html
http://www.alsaanews.com/

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

على هامش " يومًا ما.. كنت إسلاميًا"



كتاب خفيف .. وثقيل  ..
يروي فيه الكاتب نشأته الإسلامية ومراحل التزامه وتشكل ثقافته الدينية .. يتنقل في مراحل حياته بين جماعات مختلفة .. لعل أهمها وأطول فترة قضاها كانت مع الإخوان المسلمين ..
ما يميز تجربته هو أنها كانت تربوية بعيدة عن التنظيم .. وأمميّة بعيدة عن التحزب ..
يميزها أيضاً حيادية لم يضللها القرب من الجماعة .. وإنصاف لم يغيّبه الانفصال عنها ..
كل من نشأ في بيئة دينية من نوع ما سيجد تقارباً في مرحلة أو مراحل من حياته مع ما يصفه الكاتب ..
أعجبتني سعة اطلاع الكاتب على الجماعات الإسلامية من السلفيين إلى الإخوان إلى جماعة التبليغ فجماعات الفكر وحتى أكاديمية إعداد القادة ..
أعجبتني أيضاَ سلامة لغته وجاذبية طرحه، وهي على كلٍّ سمة أحترمها بشدة في الشباب المثقفين من الإسلاميين ..
الملفت للنظر أن حياة الكاتب كلها تسير في اتجاه واحد ولعل هذا ما جعل صدمته وهزّته كبيرة في النهاية. وعلى كل حال في الكتاب نقد يستحق الاطلاع عليه ..



السبت، 23 فبراير 2013

على هامش "الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني"



وددت بعد القراءة وعدد من النقاشات مع الأصدقاء أن أدوّن بعض الأفكار عن الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الدمشقي الجميل نزار قباني .. ويروقني – وأعتقد أنه يروقه هو أيضاً – أن أناديه بالدمشقي .. فالروح الدمشقية تنبعث من كل ما كتبه هذا المبدع .. تصاويره .. تعابيره .. جرس أبياته .. كل ما كتبه هذا الشاعر كان دمشقياً بامتياز ..
أول ما يجب أن أدوّنه هنا هو أن الكتاب المعنون بهذا العنوان لا يضمّ كل أعمال نزار الشعرية، بل إن بعض أجملها ليس فيه .. ومن ذاك دمشقياته .. وكثير من أشعاره السياسية التي تجد أغلبها في ديوان "قصائد مغضوب عليها" ..


نزار واللغة:
لا شك أنّ الذي يتذوق الشعر سيُسكِره كأس نزار أكثر من غيره .. لكن حتى القارئ حديث العهد بالشعر لن يعاني في فهم مراد نزار والتماس أحاسيسه ..
وهذا من أجمل ما في شعر نزار: بساطته ومباشرته .. فصاحة بلا تقعر .. وإبداع بلا تكلّف ..
نزار في لغته عربي مفوّه .. لكنه أيضاً "ابن بلد" فلا تخلو أبيات نزار من كلمات عامية هنا وهناك .. تأتي في الموضع الذي لا يصح أن يستعمل فيه إلاها لأنها وحدها تؤدي المعنى المطلوب ..
اللغة عند نزار جبل ضخم والشعر في يده إزميل والإزميل هو آلة النحت التي يحركها نزار بمهارة لرسم أجمل معان ومشاعر على صفحة اللغة العربية العبقرية .. وهذه الكلمة محببة لنزار يستعملها كثيراً كما في (الموال الدمشقي): 
يا شام يا شامة الدنيا ووردتها ... يا من بحسنك أوجعتِ الأزاميلا  
نزار في الوصف تفصيلي مولع بالدقائق (اقرأ مثلاً "الضفائر السود" أو "ضحكة")
وفي التشابيه تصويري حد المشاهدة (اقرأ مثلاً "إلى عينين شماليتين")

نزار بين الحب والسياسة:
نزار في شعر الحب سلطان .. ومن أجمل قصائد الحب عنده ""أين أذهب" و "بعد العاصفة" و "رفقاً بأعصابي" و "يوميات رجل مهزوم" ..
وهناك رأي معتبر يرى أن الأغنية ساهمت في إيصال نزار إلى شريحة أوسع من العامة .. وهذا قد يكون صحيحاً لكن نزار الذي أوصلته الأغنية للعامة هو نزار العاشق لا نزار الثائر ولا نزار السياسي الدبلوماسي .. وإن كان نزار يرى الحبّ حالة ثورية:
إني لا أؤمنُ في حبٍّ..
لا يحملُ نزقَ الثوارِ..
لا يكسرُ كلَّ الأسوارِ
لا يضربُ مثلَ الإعصارِ..
ولكن صورة نزار التي يرسمها رواج أشعار الحب دون أشعار السياسة هي صورة منقوصة مغلوطة .. فنزار كان سياسياً مخضرماً خدم سفارات سوريا في بلاد عديدة، ثم هو مفكّر صاغ أفكار الحرية والعدالة وحب الوطن إبداعات لغويّة .. كما أرّخ لأحداث من العصر العربي الحديث بقصائد رائعة مثل "هوامش على دفتر النكسة" .. ومن جميل سياسياته "متى يعلنون وفاة العرب" و "السيرة الذاتية لسيّاف عربيّ" و"أطفال الحجارة" و"هجم النفط مثل ذئب علينا" وفيها يقول:
لا يبوس اليدين شعري .. وأحرى  ... بالسلاطين أن يبوسوا يديه

وإن تغييب الأشعار السياسية لنزار ليس محض صدفة وليس فعلاً بريئاً نتج عن سهو أو قلة اهتمام .. بل إن أشعاراً كتلك التي ذكرت ليس في مصلحة الأنظمة المستبدة أن تنشر وتنتشر ..
ولذا ورغم أنني درست في دمشق لم يكن نزار الدمشقي موضع اهتمام في مناهجنا .. وكنا ننظر إلى التي تقرأ اشعار نزار نظرة ريبة لأننا عُلّمنا أن نزار هو شاعر التفسخ وشاعر الجسد .. ولم يحدث أن قدّمه أحد لنا على أنه شاعر الحرية أو التحرير ..

نزار والمرأة:
من الأشياء التي تلفت في شعر نزار هو تقمصّه شخصية الأنثى في بعض القصائد والحديث باسم المرأة ومن أجمل ما كتب من هذا النوع "شؤون صغيرة" و "رسالة من تحت الماء" و "إلى رجل" ..
ونزار يعتبر تحرير المرأة قضية من قضاياه الكبرى .. وهذا تلمحه في قصائد مثل "رسالة من امرأة حمقاء" و "أسائل دائماً نفسي" ..
 إلا أن المرأة التي أراد نزار أن يحررها هي تلك التي يراها هو أو ربما يريدها هو ..
فنزار كان معنياً بتحرير جسد المرأة وقلبها ضمن دائرة الحب والجنس، وهاتان القضيتان وإن كانتا حتى الآن تعالجا بقدر كبير من الذكورية في مجتماعتنا، إلا أنهما لا تلخّصان المشاكل التي تعاني منها المرأة .. فضلاً عن طريقة نزار في تناول الموضوعين .. والحدود التي يرسمها أو بالأحرى لا يرسمها للتعاطي معهما ..
نزار لم يكن معنياً بتحرير فكر المرأة .. لم يكن معنياً بتوسيع دائرة تأثيرها المجتمعي ..
وهذا يكشف عيباً كبيراً في نظرة نزار للمرأة .. بل وللإصلاح المجتمعي ذاته .. فكيف تسعى لتحرير "بعض" إنسان؟
إن امرأة حرّة الجسد والقلب مكبّلة العقل والفكر .. ليست أحسن حالاً على الإطلاق .. بل قد تكون كارثية لنفسها ولمن حولها ..

نزار والإباحية اللغوية:
قد يستهجن البعض اللفظ .. لكن بعض قصائد نزار لا تخلو من شيء كهذا .. سواء كان في الإغراق في وصف جسد المرأة وصفاً يخدش الحياء ..
أو في التطاول على الذات الإلهية في عدة مواضع ..
بقدر ما تحتاج مجتمعاتنا للتصالح مع الحبّ .. فهي تحتاج أيضاً إلى ترشيد الحياء .. أما التصريح اللامحدود فلست أرى له وظيفة اجتماعية على الإطلاق وإن كان كذلك فالأولى أن يبقى حالة خصوصية لا تتجاوز حدود غرف النوم ..

نزار ودمشق:
أحببت أن أختم بدمشق كما بدأت بها .. ولولا أنه لا يختلف اثنان في روعة ما كتب نزار في دمشق لكانت شهادتي هنا مخدوشة تماماً .. فأنا إذ تذكر دمشق لست أقل تطرفاً من نزار على الإطلاق ..
سمعت من أحد النّقاد مقالة أظنه أصاب فيها كثيراً من الحقيقة .. وهي أن نشأة نزار في أجواء دمشقية ساحرة الجمال كان ذا أثر ملموس في إذكاء موهبته الشعرية الفذّة ..
البيت الدمشقي السابح في بحر من الياسمين .. والباحة المنزلية المعانقة لبحيرة الدار .. وأصوات العصافير تتراقص وتتراكض في "مربع" الدار .. أية بيئة أكثر شاعرية من هذه البيئة ..
"الموال الدمشقي" و "القصيدة الدمشقية" و "خمس رسائل إلى أمي" و "من مفكرة عاشق دمشقي" من أجمل قصائد العشق التي كتبها هذا الدمشقي الجميل ..
ومع ذلك كله .. لم تدرّس لنا هذه القصائد في مدراس دمشق ذاتها .. وهذا خزي كبير ..
لكن قارئها سيدرك فوراً سبب تغييبها على روعتها ..

أما أجمل قصائده على الإطلاق فيصعب بشدة اختيار قصيدة كهذه .. لكن قد يتفق كثيرون على أن إحساس نزار لا يفيض ولا يصل إلى القارئ كما يصل في قصيدته "بلقيس" التي كتبها بعد مقتل زوجته بلقيس .. هذه القصيدة مزيج من السياسة والحب والثورة والغضب والحزن والألم .. وهي من أجود ما خطه نزار ..

سلام عليك أيها القائل:
شعري أنا قلبي، ويظلمني ... من لا يرى قلبي على الورق
وأيضاً:
أنا بعض هذا الحبر ما عدت ذاكراً ... حدود حروفي من حدود أصابعي 




* مصدر الصورة: http://nizariat.com/nizar_photos.php