‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمتي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 نوفمبر 2013

على هامش "آخر الفرسان"



هذه الرواية عذبة جداً ..

تخترق الروح حتى نخاعها .. وتطير بك في عوالم من التجليات التي لا تزال غضة تعاند الزمان والمكان..

تلتقط الرواية محطات من حياة بديع الزمان النورسي .. لتعرفك بعملاق عظيم كما يراه تلميذ عظيم هو فريد الأنصاري ..

بين النورسي والأنصاري .. مدرسة روحية تجبرك على صفّ أقدامك في محراب النّور ..
عطشى إلى مثل هذا النشيد الداوودي كانت روحي .. ولما ترتوي .. 
بين سعيد القديم وسعيد الجديد .. مكابدات ومقامات فيها منّا شبه كبير .. واختلاف كبير ..
فتارة تراها تجذبك إليها وتشجيك بنجواها .. وتارة تراها تطلقك في فضاءات المقامات .. 

بكاء النوارس والحمام .. الفقرة التي تصف رفع الحظر عن الأذان بعد أن أسكتته قوى الظلام قرابة ربع قرن .. كان أثرها شديداً علي "ومن منكم سادتي يستطيع صدّ البكاء؟"

"
والحقول التي لا تروى بالدموع لا تثمر سنابلها أبداً"

"
فلابد من إسطنبول مهما طال السفر"

"
أأعيش هنا كيفما أشاء ثم أطمع في الجنّة"

"
ارفع رأسك نحو السماء يا ولدي عالياً .. حتى إذا اخترقت أذناك حجب الصوت البشري فأنصت!"

"
تلك هي قصة التحدي يا ولدي فاكشف صدرك للسكاكين إن كنت حقاً من الصادقين، وإلا فعلى مواجيدك الكاذبة السلام!"

"
إنّ لفصل العشاق عودة أخرى ليست بزائلة! وإنّ كل فصول الدنيا سترحل نحو ربيع أبدي فأنشد قصيدة الأمل جهراً.. ولا يغرنّك تقلب خفافيش الظلام في البلاد"

الجمعة، 26 يوليو 2013

حتى تكون خصمي، يجب أن تكون شيطاناً كاملاً وإلا ...

"المعتصمين في رابعة العدوية يمارسون جهاد المناكحة"   
"المعتصمين في ميدان التحرير يمارسون الدعارة"
"المعتصمين في رابعة يحتشدون بسبب تقديم وجبات إفطار وسحور"         
"المعتصمين في التحرير يأكلون الكنتاكي مجاناً"
"المعتصمين في رابعة متشددين" 
"المعتصمين في التحرير يفطرون في نهار رمضان"

وتستمر التهم .. وتستمر محاولات دفع التهم .. وتستمر محاولات إثبات التهم ..

وبعد حين نسأل أنفسنا: ما كان أصل الخلاف؟ وهل هذه هي حقاً الأسباب التي حشدتنا في معسكرين مختلفين؟

يبدو أننا لا نستطيع أن نتخذ خصماً لأسباب سياسية أو فكرية فقط، بل يجب أن نشيطنه أخلاقياً واجتماعياً ..

كان في منهاج دراستنا في الجامعة مادة عن كيفية إجراء البحث الأكاديمي، وكان من الأساسيات التي تُدرَّس في هذه المادة ما يسمى بالأخطاء المنطقية logical fallacies. وهذه التسمية تعبر عن أساليب في النقد والاختلاف تبدو منطقية إلا أنها خاطئة.
وكان منها
ما يسمى بـ ad hominem ولست أعرف ترجمة حرفية للتسمية إلا أنها تشير إلى أسلوب في الخطاب أو النقد يهاجم شخص الخصم الفكري أو السياسي بدل فكرته أو توجّهه السياسي. وكانت تُعطَى لنا تدريبات في هذه المادة نطالب فيها باستخراج هذه الأخطاء من كتابات لكتّاب كبار، وكانت الفكرة والعملية برمّتها عبقرية بالنسبة لي لأنها أرتني فيما أقرأ أشياء ما كنت أراها من قبل ..
وكانت عبقرية لأنني بدأت أنتبه كيف يضيع جوهر الخلاف في تفرعات لا علاقة لها .. وهي قد لا تكون تفرعات ثانوية أو هامشية إلا أنه قد لا يكون هذا زمانها أومكانها الصحيحين. فمثلاً .. وجود دعارة في مجتمعات مشكلة حقيقية يجب بحثها ومواجهتها ولكن ليس هذا مكانها ولا حينها ..

لماذا نسعى أن نثبت أن خصمنا السياسي منحل أخلاقياً؟ ألا يمكن أن يكون منحرفاً سياسياً ومتزناً أخلاقياً أوملتزماً دينياً؟

كان سيدنا علي رضي الله عنه يحارب الخوارج ويقارعهم وهو يشهد لهم بالإيمان وبحسن العبادة، ولكنهم منحرفون سياسياً وهذا كاف! كان رضي الله عنه يقول: " إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا" .. ولعل هذا تفسير عملي لوصف رسول الله المؤمن بأنه إذا خاصم لا يفجر ..

ثم .. هل هذا حقاً ما يعنينا في الموقف؟
يعني لنفترض أن المحتشدين في التحرير لا يمارسون الدعارة ولا يفطرون في رمضان - وأنا هنا لا أثبت ولا أنفي شيئاً - فلو كان الوضع كذلك هل يختفي أصل الخلاف وهل تزول دواعي التدافع؟

الحقيقة أن هذا الاتجاه في الخصومة يفسره أحد أمرين، أما الأول فهو أننا لا نرى الخلاف السياسي مبرراً أو كافياً مالم يصحبه جرم أخلاقي. وهذا متوقع مننا كشعوب لم تعتد أن تكون السياسة موضع خلاف وقد لا تحسن معالجة الخصومة فيها ..
أما الثاني فهو الحشد أي استفزاز أولئك الذين لا يستطيعون تكوين رأيي سياسي ولكنهم بلاشك يستطيعون تكوين موقف أخلاقي. مثلاً كم عدد الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانقلابات العسكرية عبر التاريخ في مقابل الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانحلال الجنسي؟ وكم عدد المدركين لمساوئ الثيوقراطية في مقابل الذين يدركون مساوئ العنف والإرهاب؟

والملفت للنظر أن التهم التي يتبادلها الطرفان هي في الغالب ذاتها، أي يرمي هؤلاء أؤلئك بالانحلال الأخلاقي أوالتشدد المعادي لكل مخالف .. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا نعود في نقاشنا إلى ما نحن متفقين على أنه رذيلة وننسى ما نحن مختلفين فيه بالفعل ويستدعي أن يُناقش ..
والنتيجة هي تضييع الوقت والجهد وميادين الحوار في نقاشات لا تمس ولا تقترب من أصل الخلاف ولعلنا نضيع فرصة حقيقية لنقاش متعقّل يوصل إلى مكان ما، بدل اللامكان الذي نتخبط فيه ..

أقول هذا لأن الوضع في هذا الذي يسمى بالعالم العربي بدأ يصبح "خانقاً" بكل ما تعنيه الكلمة .. ويبدو أن شعار المرحلة القادمة "الاكتفاء الذاتي من الموت .. كلٌّ يموت في بلده!" ..


بالله عليكم .. إن كان كتب علينا أن نعيش هنا .. ومعاً .. فلنرأف بنا !!

الثلاثاء، 7 مايو 2013

عن هذه الثورة في التعليم أتحدّث ..


دُعِيتُ إلى جامعتي من قبل إحدى الدكاترة الذين درّسوني لإلقاء كلمة عن تجربتي في العمل في مفوضيّة اللاجئين ..
دخلت مكتبها فرحبت بي أجمل ترحيب .. ثم استمعت إلى أخباري منذ تخرجت قبل عام تقريباً باهتمام وإنصات .. سألت عن التفاصيل بدأ من العائلة مروراً بإنجازات العام المنصرم وحتى خطط المستقبل .. ثم أثنت على سعيي وجهدي وحثتني على الصبر على ما ذكرت من صعوبات .. وعبّرت عن فخرها بما قمت وأقوم به ..

ثم دخلنا الصف فعرفت بي تعريفاً لطيفاً ومليئاً بالاحترام .. وأعطتني مكانها لتجلس بين الطلاب وتستمع باهتمام لما أقول ..
تكلمتُ في فصلين من الفصول التي كان يفترض أن تحاضِر هي فيهما ولكنها لم تجد حرجاً من إعطائي كل هذا الوقت ..

الحق أن التجربة كانت رائعة بالنسبة لي .. لا أخفي أن جزءً من سروري بها قادم من نشوة تعتريني كلما قمت بمهمة قريبة للتدريس ..
لكنني أيضاً سعدت لأسباب أخرى ..

عندما يستدعيك مدرّسك ليستفيد زملاؤك ويستفيد هو أيضاً مما تعلمت في المجال العملي .. فهو يرسّخ أنّ ذاك الإنسان الخارق العالم بكل شيء غير موجود ..

وعندما يشجع الطلاب على أن يستغلّوا الفرصة لتوجيه الأسئلة لك .. تشعر بقيمة ما عندك وتصبح بالفعل أحرص عليه وأكثر تصميماً على الاستفادة والإفادة منه..

وعندما لا يجد هذا المعلّم حرجاً من أن يسألك أمام طلابه سؤالاً عن فكرة ذكرتها خلال الكلمة ولم يكن هو يعرفها .. تشعر أن احترامك له وفي الغالب احترامهم له زاد مئة مرة ..
وعندما يقف بعد الكلمة ليناقشك باهتمام بتلك الفكرة .. يذكّرك أن التّعلّم هو عمليّة تستمرّ طوال الحياة ..

وعندما تشعر أن صلتك بالجامعة وبمدرّسيك لا تنقطع بمجرّد استلام الشهادة وأنّهم مهتمّون بك وبما تفعل .. تشعر أن السّند موجود وأن الدّعم لا يزال يشكّل حافزاً لك لتنجز أكثر ..
وعندما تُعطى الفرصة للخرّيجين أن يلتقوا بالذين سيلحقون بهم .. تشعر أن الرّؤية تكتمل بصورة أفضل لدى كليهما..

نعم عن هذا الجوّ من الاحترام والتّقدير المتبادل أتكلم ..
ولهذا السّبب أسبّ منظومة التّعليم التي سبق أن عايشتها سنوات .. وكان "يُتخيَّل" فيها أنّ احترام المعلّم يتناسب طرداً مع ارتفاع صوته .. وأن هيبته تتناسب طرداً مع طول عبوسه .. وأن قدرته على التّعليم تتناسب طرداً مع عدد الذين يدرسون خوفاً من إرهابه ..







الجمعة، 19 أبريل 2013

على هامش "الخلافات السياسية بين الصحابة"




كتاب في قمة الاعتدال يهديه كاتبه لأولئك الذين "يؤثرون المبدأ على الشخص والوحي على التاريخ".

 يراجع الشنقيطي في هذا الكتاب الخلافات السياسية التي وقعت بين صحابة رسول الله بعد أن ارتقى إلى الرفيق الأعلى. ينطلق من رؤية أن الاعتبار بالتاريخ ممكن فقط حين نبدأ بإزالة هالة القدسية عنه. ويتتبع مواقع العثرات التي تتالت وتراكمت حتى أوصلت أمتنا إلى واقعها السياسي المعاش في يومنا، وأوصلت تراثنا السياسي – حتى وقت قريب – إلى حاله في غلبة ترويج الطاعة دون الثورة، والصبر دون الاعتراض، وقبول الواقع دون السعي إلى تغييره.


يبتعد الشنقيطي في معالجته للوقائع عن التبرير المتكلف أو التهويل المزيف. ويقارن في دراسته بين منهجين من مناهج العلماء في تناول الخلاف الذي وقع بين الصحابة، ويقول قولاً عدلاً ينتقد فيه أتباع مدرسة "التشيُّع السني" كما سماها وهم الذين التمسوا لأفعال الصحابة تبريرات تخرجهم عن بشريتهم فكانوا بذلك كغلاة مدرسة "التشيُّع الشيعي" الذين رفعوا سيدنا علي إلى مراتب لم يصلها نبي ولا بشر.

إن مراجعتنا تراثنا التاريخي مهم جداً لأننا لا نملك أن نضرب عنه الذكر صفحاً كما لا نملك أن نتعامل معه محملاً بآراء لا وقائع ومكتوباً بعاطفة لا بعقل.

كنت أود لو كان الكتاب أطول وأكثر تفصيلاً فنحن في تعطّش لمثل هذه المراجعات. لكن هذا الكتاب من غير شك يفتح باباً لما بعده.

أنصح به كل باحث أو طالب علم يسعى نحو العدل والإنصاف أولاً.



* مصدر الصور:


الخميس، 28 فبراير 2013

الثورة والاستبداد بعيون القرآن



الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان وكتابه القرآن معين متجدّد من الهداية والإرشاد. إذا كان هذا الكلام صحيحاً فمعناه أن الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً لا زال يحمل لكل أهل عصر رسائل ورسائل.

وخصوصية القرآن بتجدد معانيه فريدة لا يدانيه فيها كتاب. لذا ترى آيات القرآن تبث في نفسك معانٍ تتناسب إلى حد كبير مع الحال والزمان والظروف التي تعيش بظلها. وفي ظل ما يشهد بلدي سوريا وكثير من بلاد العرب الأخرى شدّتني بدايات سورة القصص وعشت مع آياتها حيناً من الزمن أرددها وأتفكر فيها وفي السطور القادمة أبثكم ما وصل إليه تأملي في تلك الآيات.

تبدأ السورة كما يلي
"طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)"

فالآيات إذا على وشك أن تبسط لنا قصة موسى مع فرعون وهي ليست فقط قصة الإيمان مع الكفر بل قصة الحرية مع الاستبداد. وتذكر الآية أن النبأ الذي تسوقه إلينا إنما تسوقه "بالحق لقوم يؤمنون" فتكون هذه العبارة تأكيداً على أن هذا الحق الذي ترويه الآيات إنما يساق إلينا لنتعلم منه إذا كنا مؤمنين. نعلم جميعاً أن القصص في القرآن لها عبر ينبغي أن تستنبط وأنها لم تذكر لمجرد التسلية ولا لملء صفحات المصحف. إذا اتفقنا على هذا فهيا بنا نسبر أغوار الآيات القادمة.

"إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)"
بدايتنا مع فرعون إذاً .. رمز الاستبداد والاستعباد .. رمز الظلم ومصادرة الحريات .. طاغية بلغ به الأمر أن يقتل أبناء بني إسرائيل فور ولادتهم خوفاً من أن تنبت الأجيال ذلك المحرر الذي سينهي عهد استبداده.
وتشير الآية إلى أن أول عنصر في الاستبداد هو العلو في الأرض لأن المستبد يرى نفسه فوق الناس وأعلى منهم ويقارب أن يرى في نفسه ألوهية أو قد يقتنع بذلك فعلاً كما قال فرعون "أنا ربكم الأعلى" (النازعات 24). وهذا ديدن الطغاة قديماً وحديثاً.
وأذكر هنا جواب بورقيبة طاغية تونس قبل طاغيتها الزائل بن علي حين سئل عن شكل النظام في بلاده فقال: "أي نظام؟ أنا النظام!"

نعم هكذا يفهم الطغاة الحكم: سلطات بلا حدود مجتمعة في يد الحاكم "الإله" ولذا ينسبون إلى معارضيهم أو من رفعوا في حضرتهم رأساً صفات كـ "الجرذان" أو "الجراثيم" وهي نعوت تظهر خبيئة نفوسهم في نظرتهم إلى شعوبهم وتعاليهم عليها. ثم نرى تلك الخبيئة تظهر في صورة سجود مؤيديهم لهم وهتافهم لهم بالألوهية ومظاهر أخرى يشمئز منها كل صاحب عقل وأنفة.

ثم تنتقل الآية لتشرح لنا آليات الاستبداد فتقول " وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ"
سبحان الله! كل استبداد لابد أن يقوم على طائفية أو عنصرية معينة. قد تكون دينية أو عرقية أو اجتماعية أو طبقية، لا يهم، المهم أن يصنع المستبد لنفسه طائفة مخلصة يحركها كيف يشاء، ويبطش بيدها ليستضعف غيرها من الطوائف.
وأما الأساليب فقديمة تتلخص في سفك الدماء وهتك الأعراض وتختلف فيها الأدوات فقط. فإذا كان فرعون ذلك الزمان يذبح بالساطور ففراعين اليوم يذبحون الذبح ذاته بوسائل أكثر تطوراً والنتيجة واحدة. يكرر الاستبداد نفسه في كل مرة ومع أن حيله التافهة تفشل كل مرة إلا أنه يأبى أن يتعلم من نفسه.

ثم تشير الآية إشارة استوقفتني في قوله تعالى عن فرعون " إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ".
مع أن الفراعنة كانوا رعاة حضارة عريقة وشيدوا من البنيان ما تزال آثارة شامخة إلى يومنا هذا، إلا أن الفساد في الأرض حسب المفهوم القرآني هو الفساد في حق الإنسان بوصفه صانع الحضارة وغايتها. ماذا تغني الأبنية الشاهقة والإبداعات المعمارية عن شعب مقهور مقموع لا يملك حتى أن يعتقد بما يريد. فرعون سجّل له القرآن أنه كان من المفسدين لأنه شرذم قومه وجعلهم طوائف متناحرة ولأنه أزهق الأرواح التي كرمها الله وهتك الأعراض التي حرّمها الله. ولعله في زمنه ذاك كان يرى أن "إصلاحاته" يمكن أن تغفر له كل هذا الفساد فهاهو يقول "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر 29). ويذكّر القوم بما أشاد وملك فيقول "يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" (الزخرف 51). إلا أن هذا كله غير ذي معنى إذا ما قورن باضطهاد البشر وسفك دمائهم ومصادرة حرياتهم.

ثم يكمل السرد القرآني قصته مستعجلاً إعلان نتيجة الصراع القائم بين المستضعفين والمتجبّرين حتى قبل أن يروي لنا تفاصيل الحكاية فيقول تعالى:
" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" (6(

ما أروع البشارة التي يزفها القرآن للمستضعفين في الأرض، إنها إرادة الله شاء من شاء وأبى من أبى، إنها إرادة الله أن يمنّ على أولئك الذين أذلهم فرعون واستضعفهم. ويأتي المنّ الإلهي على شكل البلاء فيشاء عز وجل أن يهبهم الحكم ليكونوا "أئمة" ويهبهم الملك ليكونوا "الوارثين".
ثم تزيد الآية في تطمين أصحاب الحق المسلوب فتشير إلى أن الحكم والملك سوف يمكَّن لهم في الأرض وأنهم سوف يقتصّون من ظالميهم.

وهنا أقف وقفتين: الأولى مسألة القصاص ومحاسبة المجرمين. وأوجه كلامي لكل أولئك الذين يدعون للعفو والحصانة وعدم مساءلة الحكّام المخلوعين. إن الله جلّ وعلا وعد مستضعفي فرعون أن يقتصوا منه بل ومن كل أركان حكمه " وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ".
لصاحب الحق أن ينتزع حقه ويجب أن يقتص من القاتل ومن الظالم، أولاً إحقاقاً للحق وثانياً حتى يعلم من يأتي بعده أنه ينبغي أن يحكم بالحسنى وإلا كانت عاقبته وخيمة. وأما الوقفة الثانية فهي مع "هامان" و"جنودهما".
في كل نظام استبدادي لابد من "هامان" يكون اليد اليمنى التي تبطش للظالم والتي تكون معه شريكة الجرم والإثم. وفي أنظمتنا اليوم نرى هاماناً هنا وهاماناً هناك. ولكن وجود هامان لا يعفى فرعون من المسؤولية وهذا ما يظهره القرآن حين يتوعد كليهما بالقصاص.
لكل الذين يقولون إن الرئيس الفلاني غير راضٍ عما يجرى: هذا كله كلام فارغ، ما نعلمه أن الرئيس أو الفرعون هو أعلى سلطة في الدولة تتحمل المسؤولية كاملة وعليها أن تتلقى تبعة أفعالها أو موافقتها على أي فعل.

وأما مسألة "جنودهما" فقد هزّتني بشدة وكأنني أراها للمرة الأولى في النص القرآني. إن القرآن خصص ذكر الجنود وحملهم مع مرؤوسيهم مسؤولية الجرم حين قال " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)". ليس الجنود مجرد "عباد مأمورين" بل هم شركاء في المسؤولية وشركاء في الإجرام. وكلمة "الجنود" تضم كل من جنّد في الدفاع عن الظالم شيئاً فليحذر أولئك المتذبذبون والذين يدسون السم في العسل.

أعتذر من قارئي على الإطالة ويبدو أن للحديث بقية فالآيات لم تنتهِ ودلالاتها وعبرها أيضاً لم تنتهِ. وخلاصة القول أن الله أراد للإنسان أن يكون حراً فبعث أنبيائه ليحرروه من كل أشكال العبودية الفكرية والعقدية وغيرها ... وأراد له أن يحيى مكرماً أبد الدهر بما وهب له حين قال "ولقد كرّمنا بني آدم"

* تجدونها أيضاً هنا: http://www.alandaluse.net/ar/index.php 

الخميس، 21 فبراير 2013

لن أهدأ ..


قل لمن لا يعجبه نشيدي أن يُعرِض، 
فأنا ... لن يخفت أبداً صوتي !
ولمن لا يسعده وجودي أن يرحل، 
فأنا ... لن أعلن أبداً موتي !

وطريقي هاهو أبصره ... فيه أعيش رسالاتي
وربيعي أمامي أشعره ... وبه نهاية آهاتي

بركاني الثائر في صدري .. لا يطفئه اعتراض !
وشعاري الغالي في عمري .. لا يثنيه امتعاض !

أنا بعد هدوءٍ عاصفةٌ ... ستُصحّح كلّ الأخطاء
وبقلمٍ فذّ وبمنطق ... ستغيّر كلّ الآراء

ولهدفي لحنٌ وعبيرٌ ... يملأ بالنّور حياتي
وله في الأحشاء حنينٌ ... وله تسارع خطواتي

تحلم أن تنسيني هدفي ؟!        يا مسكين
وببطشك تستنزف خوفي ؟!    يا مسكين
وبعنف أن ترغم أنفي؟!         وبسكّين؟

فلتشرب كل البحار ... ولتطفئ ضوء النّهار ...                 لن أهدأ
أعمِل فيَّ سلاح القهر ... أو أرجعني حتى الصّفر...           فسأبدأ

وسيأتي فجري في يومٍ ... وستسمع
صوتي في الأرجاء سعيداً ... وستُصرع
بالغيظ القاتل وبسيفي ... 
وسيصبح كابوسك ... طيفي !