التسميات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات تسعون يوماً في مفوضية اللاجئين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تسعون يوماً في مفوضية اللاجئين. إظهار كافة الرسائل

السبت، 11 مايو 2013

وخلف تلك الوجوه عالم آخر ..



 - لم تجد مساحيق التجميل إلى وجهها سبيلاً .. ومع ذلك كانت جميلة حداً لا تخطئه العين ..
حاجباها المهذبان بعناية كقطعتي ليلٍ هامتا بعينيها السوداوين فلم تقويا على الفراق ..
قسمات وجهها حادة تشعّ بالثقة .. ونقاء بشرتها يفسح للناظر مجالاً من الخيال المجنّح ..
أنيقة .. هادئة .. 
ستة عشر عاماً خلت من عمرها .. أوصلتْها إلى غاية التفتّح الذي كانت عليه لما التقيتُها..
أدخلتُها إلى الغرفة وما إن بدأت تروي قصتها حتى رأيت شخصاً آخر ..
اختنق صوتها في زحمة من الشهقات .. وغاب بريق عينيها الأخّاذ خلف سيل من الدموع .. وراحت تروي قصة تركت في روحها جرحاً لا يريد أن يلتئم ..
"كلما احرك شعري هيك ينزل منه الزجاج يلي تكسر من التفجير" 
وكنت أجلس أمامها أحاول أن أتخيل شعرها الأسود الذي خبّأه حجاب أنيق ..
ومع نهاية المقابلة .. رأيت روحاً مهترئة .. وقلباً منهكاً .. ونفسية مهزوزة .. تختبئ خلف ستارة من الجمال تسرّ الناظرين ولا تسلّي عن القلب شيئاً..

-  كان مرحاً لطيفاً .. ولبقاً أنيقاً ..
دخل الغرفة وبدأ يتحدث بإنجليزية أنيقة أيضاً ..
شاب في مقتبل العمر ينتظر طفله الأول .. ويتحدث عن زوجته بقدر من الحب والتقدير غبطتُها عليه ..
وبدأ يروي قصته .. حتى وصل إلى مفترق هام فيها .. فبكى  ..
وتمنّيت لحظتها لو تنشق الأرض لتبلعني .. أحسست بكيانه الرجولي الأنيق ينهار مرة واحدة .. أنا لم أعِبْ عليه بكاءه ولكنّي تألّمت لتحرّجه من الدموع التي غالبها فغلبته ..
مع نهاية المقابلة .. رأيت ماضٍ مغرق في الألم .. وجراح غائرة في الروح .. يختبئان خلف ابتسامة رزينة وشخصية جذابة تحاول بكل الطاقة الإيجابية التي فيها أن تتطلع إلى مستقبل أفضل ..

-  حذرني كل من قابلها من العاملين في المفوضية من شراسة طبعها .. بل لقد نصح البعض بألا أتولى قضية تلك اللاجئة كوني جديدة على العمل .. وقيل لي إنها لا تزور المكتب مرة إلا ويصحبها "زلزال" وإنها تشاجرت مع العاملين بدءاً بمسؤولة الحماية وحتى السائقين.. 
ثم تسلّمتُ الملف خاصّتها وقمت فيه بجولتي المعتادة .. قرأت قصّتها المؤلمة ثم انتظرت يوم لقائي بها لأحلّ اللغز ..
دخلَتْ علي بثقة عالية وما إن أرشدتُها إلى مقعدها وربما قبل أن أوجّه لها السؤال الأول باشرتني باعتراض عريض .. وراحت تنثر على مسامعي محاضرة طويلة وتهاجم العاملين في المفوضية جملة وأفراداً .. 
لم تكن ردة فعلي مفاجَأةً بقدر ما كانت محاولةً لاحتواء الموقف، فالتمهيد الذي تلقيته قبل مجيئها كان قد أعطاني فكرة عن الشخص الذي سأقابل  ..
حاولت أن أتجنب الصدام وأتابع عملي بأقل الخسائر .. لكني بعد أن غصت في قصة هذه اللاجئة أدركت أن وراء غضبها الذي لا ينطفئ وثورتها العارمة التي تنفجر في وجه كل أحد وأي أحد صدمة نفسية كبيرة .. وفهمت أن الإنسانة الماثلة أمامي تفرّغ طاقة ضخمة من الإحباط والألم ..
وبالرغم من صراخها المتواصل وأسلوبها البعيد عن أي لباقة أو أدب .. إلا أنني أشفقت عليها ..
لم يكن لدي شك أنها تعاني أزمة نفسية شديدة .. ولم أخاطر بالطبع بأن ألمّح لذلك لعلمي أنها خطوة لا تحمد عقباها  ;-)
 
اختلفت انطباعاتي في القصص الثلاث .. كما اختلفت في قصص غيرها .. ولكن الدرس الذي تعلمته هو أن عيوننا لا ترى إلا الستارة .. إن خلف الوجوه عوالم لا نصل إليها ..
وحينها فقط فهمت معنى "التمس لأخيك سبعين عذراً"
بدأت أسأل نفسي: عندما نرى وجوه الناس في الشارع هل نتخيل أن وراء كل وجه حكاية؟
وعندما يسيء أحدهم إلينا هل يخطر ببالنا أن هذه الإساءة لربما هي غضبة من شيء آخر قُدّر لها أن تنفجر الآن وهنا؟
وهل نهمس لأنفسنا "لنتجاوز عنه، لعله ألمٌ قديم"

قد يقول البعض: يكفي كل واحد منّا همّه .. صحيح .. ولكن قل لي إذا لم تضع في اعتبارك أن للآخرين هموماً فلماذا يتوجب عليهم أن يضعوا همومك في اعتبارهم؟

"التمس لأخيك سبعين عذراً"

"التمس لأخيك سبعين عذراً"
"التمس لأخيك سبعين عذراً"


*مصدر الصورة: http://forum.al-wlid.com/t38236.html

الثلاثاء، 7 مايو 2013

عن هذه الثورة في التعليم أتحدّث ..


دُعِيتُ إلى جامعتي من قبل إحدى الدكاترة الذين درّسوني لإلقاء كلمة عن تجربتي في العمل في مفوضيّة اللاجئين ..
دخلت مكتبها فرحبت بي أجمل ترحيب .. ثم استمعت إلى أخباري منذ تخرجت قبل عام تقريباً باهتمام وإنصات .. سألت عن التفاصيل بدأ من العائلة مروراً بإنجازات العام المنصرم وحتى خطط المستقبل .. ثم أثنت على سعيي وجهدي وحثتني على الصبر على ما ذكرت من صعوبات .. وعبّرت عن فخرها بما قمت وأقوم به ..

ثم دخلنا الصف فعرفت بي تعريفاً لطيفاً ومليئاً بالاحترام .. وأعطتني مكانها لتجلس بين الطلاب وتستمع باهتمام لما أقول ..
تكلمتُ في فصلين من الفصول التي كان يفترض أن تحاضِر هي فيهما ولكنها لم تجد حرجاً من إعطائي كل هذا الوقت ..

الحق أن التجربة كانت رائعة بالنسبة لي .. لا أخفي أن جزءً من سروري بها قادم من نشوة تعتريني كلما قمت بمهمة قريبة للتدريس ..
لكنني أيضاً سعدت لأسباب أخرى ..

عندما يستدعيك مدرّسك ليستفيد زملاؤك ويستفيد هو أيضاً مما تعلمت في المجال العملي .. فهو يرسّخ أنّ ذاك الإنسان الخارق العالم بكل شيء غير موجود ..

وعندما يشجع الطلاب على أن يستغلّوا الفرصة لتوجيه الأسئلة لك .. تشعر بقيمة ما عندك وتصبح بالفعل أحرص عليه وأكثر تصميماً على الاستفادة والإفادة منه..

وعندما لا يجد هذا المعلّم حرجاً من أن يسألك أمام طلابه سؤالاً عن فكرة ذكرتها خلال الكلمة ولم يكن هو يعرفها .. تشعر أن احترامك له وفي الغالب احترامهم له زاد مئة مرة ..
وعندما يقف بعد الكلمة ليناقشك باهتمام بتلك الفكرة .. يذكّرك أن التّعلّم هو عمليّة تستمرّ طوال الحياة ..

وعندما تشعر أن صلتك بالجامعة وبمدرّسيك لا تنقطع بمجرّد استلام الشهادة وأنّهم مهتمّون بك وبما تفعل .. تشعر أن السّند موجود وأن الدّعم لا يزال يشكّل حافزاً لك لتنجز أكثر ..
وعندما تُعطى الفرصة للخرّيجين أن يلتقوا بالذين سيلحقون بهم .. تشعر أن الرّؤية تكتمل بصورة أفضل لدى كليهما..

نعم عن هذا الجوّ من الاحترام والتّقدير المتبادل أتكلم ..
ولهذا السّبب أسبّ منظومة التّعليم التي سبق أن عايشتها سنوات .. وكان "يُتخيَّل" فيها أنّ احترام المعلّم يتناسب طرداً مع ارتفاع صوته .. وأن هيبته تتناسب طرداً مع طول عبوسه .. وأن قدرته على التّعليم تتناسب طرداً مع عدد الذين يدرسون خوفاً من إرهابه ..







الثلاثاء، 12 مارس 2013

حين ترأس دولة عظمى .. إليك الخطّة ..


تحتاج ممارسة السياسة إلى كثير من المهارات .. بعضها يتعلمه الممارس نظرياً وأغلبها في ساحة الفعل ..
على أية حال .. أنا هنا أقدم استراتيجية عمل لمن ينوي أن يصبح رئيس دولة عظمى  ..
عزيزي - أو في الغالب لن تكون عزيزي حينها - لكن بغض النظر .. أيها الرئيس .. حين تُغرِيك خيرات بلد مّا ولا تستطيع أن تصل إليها تحت شعار "تكامل الاقتصاد" و "التجارة الحرة" و "عولمة موارد الطاقة" و "التعاون الاقتصادي الدولي" وما إلى ذلك ..
وحين تستخدم طاغية بلد ما في تحقيق أهداف إقليمية تهمّك دون أن تلوّث أنت يديك .. ثم تجد ألا حاجة له بعد الآن ..
وحين تجد أن شعاراً رفعته كـ "محاربة الإرهاب" مثلاً .. حين تجده فضفاضاً بحيث يمكن أن تفعل تحت رايته أي شيء..
حينها .. إليك ما عليك فعله:
تحدث ضجة دولية حول ذلك البلد وذلك الطاغية تحت شعار من الشعارات الدّارجة، ثم تُصعِّد حملتك بشكل تدريجيّ حذِر، ثم تجمع جيشاً عرمرماً وتسوقه إلى ذاك البلد، ثم تدمّره عن بكرة أبيه، وتحلّ نظامه السياسيّ وأهم ما يجب حلّه هو جيش ذاك البلد. ثم تضع أسوأ أفراده وأكثرهم عمالة في مواقع الحكم، وإيّاك ثم إيّاك أن تخرج قبل أن تطمئنّ أنّ الفتنة بين أبناء الشّعب على أشُدِّها ..
ثمّ .. تعطي حقّ اللّجوء للهاربين من تلك الفتنة وتستقبلهم على أرض بلدك العظيم! ليس هذا فحسب بل تنفق على كل واحد منهم لمدة ستّة شهور حتى يستقرّ وتساعده في إيجاد عمل ومسكن ..

عجيبة صحيح؟ هذا بالضبط ما فعلته أميريكا في العراق ..

وإذا كان كل شيء مفهوماً في هذه المعادلة فإنّ الخطوة الأخيرة غريبة .. لماذا تعطي الدولة المحتلَّة حق اللجوء لأبناء الدولة التي احتلّتها؟ أمريكا تستقبل كل عام 80,000 لاجئ وللعراقيّين أولوية لا تقاربها أية جنسية أخرى.. هذا رقم ضخم وهو بلا منازع أعلى رقم بين دول العالم .. لكن لمَ؟
كان هذا السؤال يشغلني طيلة فترة عملي في الترجمة مع الوفد الأمريكي ..
وكنت أراقب وأفكّر دون أن أبوح بشيء ..

كنت أظن الإجابة بسيطة: هجرة عقول !!
نعم بعض اللاجئين لديهم قدرات ومهارات ولا زلت أذكر صاحب براءة الاختراع في الفيزياء .. لكن كثيرين آخرين ليسوا كذلك .. ثم إن من اللاجئين مرضى ولقد مرّت عليّ قضية فيها امرأة في غيبوبة كاملة .. فعلامَ تأخذ أميريكا مثل هذه؟

ثم قلت: لعلّها إذاً الدبلوماسية .. ترسم أميريكا لنفسها صورة الوصيّ على العالم .. الحريص على حقوق الإنسان .. الأخ الكبير الذي يمدّ يد العون هنا وهناك .. ولعل استقبال اللاجئين ما هو إلا جزء من هذه الاستراتيجيّة ..
لكن تعالوا نفكّر بواقعيّة .. مَنْ هذا الذي تحتاج أمريكا لتكسب رضاه؟ وهل تتصرف أمريكا في العالم كالمالك في ملكه بفضل "صورتها الدبلوماسية" أم بفضل قوتها الفعلية في مجالات السلاح والاقتصاد؟ ولنفترض أنها بالفعل تريد أن ترسم صورة ما، فهل يلزم أن تستقبل 80,000 كل سنة حتى ترسم هذه الصورة؟

ثم بعد حين ناقشت المسألة مع عدد من العاملين معي .. 
كان أحدهم مصراً أن أمريكا لا تستفيد من استجلاب هؤلاء شيئاً .. وكنتُ أعترض بأنه ليس في السياسة أعمال خيريّة .. وإذا كان فليس في السّياسة الدولية .. وإذا كان فليس في سياسة أمريكا!!

وقالت أخرى: عمالة رخيصة  .. فأقنعتني إلى حد ما ..
لأن من مآسي اللجوء وإعادة التوطين هو أن هؤلاء اللاجئين لا يعملون بشهاداتهم بل يعملون بأشياء دون مستوى تعليمهم بكثير ..
فالطبيب قد يعمل في محطة بنزين .. والمهندس قد يعمل في أحد مطاعم ماكدونلدز .. ويتلقّى هؤلاء أجوراً لا يقبل بها الأمريكي ابن البلد ..

نعم أقنعتني إلى حد مّا .. وإذا أردنا الحقّ فإنّ كل الأسباب التي سبق ذكرها صحيحة بنسبٍ متفاوتة .. 
فبين هذه الأعداد تمرّ عقول نيّرة .. ولعلّ الحصول على بعضها يستحق تحمّل الآخرين .. فهي هجرة عقول ..
وأيضاً لابد لأميريكا من فعل يصدّق خطاباتها الرّنانة هنا وهناك .. وهي وإن كانت لا تحتاج أن ترضي أحداً فلا يخفى على أرباب سياستها أهمية التّسويق في السّياسة .. فهي أيضاً دبلوماسيّة ..
ومسألة العمالة مهمة إلى حد كبير .. أن تضع إنساناً متعلماً ومثقفاً في موضع أدنى بكثير من قدراته يعني أن ترفع الأداء في كل المهن .. وحين يكون اقتصاد الدولة ضخماً كالولايات المتحدة تحتاج كثيرين من أمثال هؤلاء ..
ويبقى سبب "العمل الخيري" غير مقنع بالنسبة لي ..
وتبقى هناك أسباب ودوافع لا أعرفها .. قد يأتي يوم أدركها .. 

لكنّ من رأى ليس كمن لم يرى ..
يوماً ما ظننت الأمور أبسط بكثير ..

الأحد، 3 مارس 2013

بس قوليلي .. إنتِ شنو اسمك؟



كان ذلك في آخر أيام مهمة الترجمة الأخيرة .. وكنت اتصلت لأخبر هذا اللاجئ بنتيجة طلب إعادة التوطين الخاص به ..
كان قد قُبِل .. وكنتُ أنا أيضاً - بعيداً عن كل حيثيات القضية - سعيدة من أجله ومن أجل عائلته .. 

شديداً كان إصرار ذاك اللاجئ على أن يعرف اسمي .. وكذلك كان إصراري على ألا أقول  ..
كان يسأل وكنتُ أقول: لا يُسمَح لنا أن نعطي أي معلومات شخصية عنّا  ..

حينها قال: "لا أنا بس أريد أعرف اسمك على شان ادعيلك باسمك .. والله ما أنساك من الدعاء لا أنا ولا زوجتي من يوم المقابلة وكنت أريد أعرف اسمك حتى أدعي لك باسمك"

تمنيت حينها لو انشقت الأرض وابتلعتني .. تمنيت لو أنني لم أتصل .. بل لو لم أحضر للعمل ذاك النهار  ..
خجلت جداً .. جداً  ..

كنت أتمنّع عن ذكر اسمي لأسباب عدة .. أهمها أنه بالفعل لا ينبغي للمترجمين أن يعطوا أية معلومات شخصية لأن هذا قد يجعلهم في خطر فقد حصل من قبل أن آذى بعض اللاجئين المترجمين حين لم تقبل طلباتهم، في الوقت الذي ليس للمترجم من الأمر شيء .. كل  ما نقوم به هو الترجمة والقرار أولاً وأخيراً بيد الدولة المستقبِلة  ..

والسبب الآخر هو أنني لم أشأ أن يتصل هذا اللاجئ لاحقاً ويطلبني وهاتف العمل هذا لن يكون معي بعد ساعة أو ساعتين .. خاصة وأنه قد أكثر الأسئلة وجعلني أتململ من إعادة الكلام نفسه  ..

لكنه بعد أن صفعني برده اللبق .. جعلني أتقزّم في عين نفسي حداً لم أشعره منذ زمن  ..
لم أستطع - رغم أني أردت بالفعل - أن أقول له اسمي بعد ذلك .. ولكن بينما راح يمطرني بأجمل الدعوات رحت أنا أشكره من كل قلبي .. وأزرع بين كلماتي اعتذارات خجولة ..

شعرت حينها .. ولأيام تلت لم يغب خلالها هذا الموقف عن بالي .. شعرت كم كنت مغرورة في ذاك الموقف  ..

كنت أعتقد أنه يحتاج إلي .. وأنا التي كنت أحتاج دعواته تلك  ..
كنت أظن أنه سيطلب .. وهو كان يريد أن يعطي  ..
كانت دعوة مظلوم .. نعم بالطبع وأي ظلم أكبر من حرمان الإنسان وطنَه .. وأنا كنت بحاجة أن يدعو لي مظلوم  ..

قلت في نفسي كم نُخدَع في الناس .. ولكن أكبر خديعة هي أن نُخدَع في أنفسنا  ..
بحّة صوته .. المكان الذي كنت أحدثه منه .. وحتى حركة يدي حين جاءني رده .. لازالت كلها ترافقني  ..

لم يكن هذا اللاجئ هو الوحيد الذي شكرني ودعا لي مليّاً بعد أن قُبِلَ طلبه .. فلا زالت كلمات لاجئ آخر تتردد في أذني "الله يفرّح قلبك متلما فرحتي قلبي" .. وابتسمت حداً أوسع من وجهي نفسه .. يااااااااه أحتاج هذه الدعوة ..

ذاك اليوم رغم ما كان فيه من تعب وخجل ومواقف لن أنساها ما حييت لخّص كل ما عملت عليه لأشهر .. 
من أجل يوم كهذا - قلت في نفسي - ليس كثيراً أن يبذل الإنسان كل ذاك الجهد في العمل مع الناس  ..

كثيرة هي الأعمال التي لا احتكاك مباشر فيها مع الناس .. وهي في كثير من الأحيان أسهل لأن التعامل مع الناس على اختلاف طبائعهم وأهوائهم وأفهامهم وأخلاقهم .. ليس هذا التعامل سهلاً أبداً .. ويحدث أن تجد نفسك على وشك الانفجار  ..

لكن يوماً كهذا يُنسيك كل شيء .. إن تلك الأعمال التي لا تنطوي على احتكاك إنساني لا تنطوي حتماً على نفس القدر من اللذة .. 

لذة "من فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة" .. لذة " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" .. ولذة "من سعى في حاجة أخيه ...."

عفوَك يا رب .. عفوك عن عجرفتي غير المبررة تلك  ..
وصل الدرس .. تعلمته .. وفهمته .. جداً ..

الجمعة، 8 فبراير 2013

بالنسبة لي .. العراق انتهى

كان هذا جوابه على سؤال: هل تستطيع العودة إلى العراق؟
وكان دوري في هذه المقابلة هو ترجمة الكلام .. 
وبين المسؤولة الأمريكية المنتظرة ترجمتي .. وبين اللاجئ العراقي الذي يهزّ رأسه في الطرف الآخر من الغرفة .. .. تجمّدت أنا  ..
وتوقّف الزمان وتسمّرتِ الأرضُ في مكانها حتى لكأنّها لم تدُرْ يوماً ..
وصمتُّ عجزاً عن الكلام لا بغضاً له .. وتزاحمت في عقلي مئات الأسئلة  ..
ثم أفقتُ فجأة .. وأدركت أنّني عطّلت العمليّة .. فترجمتُ ما قيل على عجل .. ولست أذكر صدقاً كيف ترجمتُ تلك الجملة ..
وتمَّت المقابلة وأنا أؤدّي عملي تماماً كما لو كنتُ آلة .. بينما يتردّد صدى تلك الجملة رتيباً مؤلماً ويضرب جدران جمجمتي دون كلل أو ملل  ..
وخرج الرّجل .. وخرجتُ أنا .. وعندي أمنية واحدة  ..
أردت للحظة أن أذهب إليه .. أمسك بقامته الطّويلة وأهزّ جسده الضّخم بقوة عساه يستيقظ  ..
كيف يقول الإنسان "بالنسبة لي .. بلدي انتهى"؟ 
كيف بالله عليك!
ألا يبقى الإنسان حيّاً على أمل العودة مهما ساءت الظّروف؟!
ألا يغمض البعيدُ عينه كلّ ليلةٍ مستجمعاً دفء وطنه .. متدثراً بطيف الحنين إليه؟

كيف استطاع هذا الرّجل أن يقتنع بالفكرة؟ وكيف تقبّلها حدّاً يجعله ينطق بها كما لو كانت جواباً عن حالة الطّقس؟
أبهذه السّهولة ينتشل الإنسان الأمل بالوطن من داخله؟

لست أدري إن كان ذاك اللاجئ لا زال يذكر حتى اليوم أنه قال هذه الجملة .. لكن أنا أذكر .. أذكر جيداً ..
قلتُ في نفسي .. شيئان لا ثالث لهما قد يجعلا الإنسان يقول شيئاً كهذا: شدة الألم أوشدة اللامبالاة ..
نعم .. فقد يصل الألم حد الهذيان وهذا الكلام لا يُصنَّف إلا على أنّه هذيان  ..
وأما اللامبالاة فيصعب عليّ أن أتخيل ما يؤدي إليها .. هل يولد بعض الناس دون حبٍّ لأوطانهم؟
ربّما .. قد يكون عدم حبّ الوطن هذا عيباً ولادياً .. عاهة خَلْقيّة .. ربّما .. 
أيهما يا ترى دفع ذلك اللاجئ لقول ما قال؟ لا علم لي ..

وتخيلتُ نفسي مكان ذاك الرجل للحظات .. أحاول أن أفهم كيف يصل الإنسان إلى اعتراف كهذا  ..
ليس ما رآه صاحبنا في العراق بسيطاً .. وليست معاناته التي مرّ بها هيّنة  ..
لكن .. مع كل هذا .. فليعذرني لم أتفهّمه .. لم أقتنع أنّ شيئاً كهذا يخرج من فمٍ في رأسٍ صاحٍ !!

بلدي .. سوريا .. ما رأيت العودة إليك بعيدة كما أراها اليوم .. وما رأيت الألم فيك كبيراً كما أراه اليوم .. وما حالت بيني وبينك موانع كما تحول اليوم .. لكن لن يحصل أبداً .. لن يأتي ذاك اليوم .. لن أجرأ يوماً أن أهذي بهذا الشكل  ..
نزار .. أنا أيضاً يعرّش الياسمين الدمشقي على أضلعي .. أنا أيضاً أمي دمشق  ..
سوريا .. أياً كان الألم .. سأعود .. لا بل ستعودين .. سنعود جميعاً يا وطني الذي لا يعرف النهاية أبداً .. أبداً ..






* مصدر الصورة:
http://nihad.me/project/25/80/Arabic-Calligraphy-Styles/%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A

الأحد، 3 فبراير 2013

اغتصبوها "بوحشية" !


هكذا قالت .. وسرحتُ أنا .. "بوحشيّة"!! وهل هناك اغتصاب """"""بإنسانية" أو "بلطف"؟ 


ثم عدتُ أطيل النظر إليها وأسمع كلماتها المحملة بأثقال السنين .. وفهمت بعدها أن كلمة "اغتصبوها" بكل بشاعتها التي أحالت غرفة المقابلة إلى زنزانة مغرقة في الظلمة .. وكل قسوتها التي جعلت قلبي ينكمش وكأن قبضة حديدية تعضّ عليه .. وكل ثقلها الذي جثم على صدري حتى غدا مجرّد دخول النفس وخروجه جهاداً .. وكل قبحها الذي رسم على وجهي ألواناً وتعابير لم أستطع أنا نفسي أن أمنعها من أن تظهر لها جلية .. وكل ألمها الذي التفَّ على عنقي كحبل مشنقة ساعة تنفيذ الحكم ..

وكأنّ هذه الكلمة بكلّ ما فيها من معاني القهر والظلم والألم والمعاناة لم تكن تكفي لتوصيف ما رأته ضيفتي .. فأضافت عليها "بوحشية" .. ولعلها هنا للتوكيد أكثر من أن تكون للتوصيف فالاغتصاب في حد ذاته وحشية صرفة ..


أعترف أن هذه المقابلة كانت واحدة من أصعب المقابلات .. وأنني في هذه المقابلة دون غيرها خرجت من الغرفة في منتصف الحديث كالهارب من قضاء لا مفر منه ..


إلا أنّه وبعيداً عن الحالة النفسية التي عانيت خلال وبعد هذه المقابلة .. شيء آخر كان يشغل بالي .. وهو أن الذين كانوا يقومون بهذه الأعمال هم من جماعة مسلّحة "إسلامية" سبق أن قرأت عنها .. وقرأت كيف أن أعضاءها قاتلوا وحاربوا من أجل تطبيق الحدود الشرعية .. لكن كيف يستقيم الأمران في العقول الخربة التي تحملها رؤوس هؤلاء؟ أيّة حدود وأيّ إسلام هو ذاك؟


وتبادرت إلى ذهني قصة لاجئة ثانية كانت ضحية ابتزاز جنسي من قبل رجل كان يسمّيها بالكافرة ويطلب إليها أن تحضر دروساً في الدّين لتصبح مسلمة حقيقية بينما هو يغتصبها بشكل مستمرّ ..


وبعد تفكير .. وجدت نفسي أقول "خطأ! توصيفنا خطأ!"

كنا نقول إن هؤلاء المتطرفين أساؤوا فهم الدين فتطرفوا، لكن هذا لا يمكن أن يكون حالهم. السّادية المنفلتة التي تجعل رجلاً يغتصب امرأة مرة بعد المرة .. والإجرام الحيواني الذي لا يرف له طرف بينما يغتصب عشرة من ميليشيا واحدة ذات الفتاة .. هذا ليس سوء فهم!
هذا إجرام وشهوة وحيوانية لا يمكن أن نتحدث معها عن "فهم" أو حتى "سوء فهم" ..

هؤلاء لا شك مجرمون قد يكون الجهل صنعهم أو القلة أو الظلم أو أو ... لكن ورود الدين على ألسنة هؤلاء أو في بياناتهم هو دعاية رخيصة ينبغي أن تواجه .. فهؤلاء كان الدين أول رهائنهم وضحاياهم ..


اللهم إن دينك من هؤلاء براء .. اللهم إنّي من هؤلاء ومما يدينون به براء !!


لماذا "تسعون يوماً في مفوضية اللاجئين"؟


في هذا القسم أدون بعض مشاهداتي خلال عملي مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لرعاية شؤون اللاجئين. بدأت هذ التدوينات في اليوم الأخير لعملي مع المفوضية بعد أن أتتمت فيها ثلاثة أشهر وهي فعلياً ليست تسعين يوماً بالتمام والكمال لكنها من حيث الخبرة تسعون سنة.. لا أبالغ إن قلت إنني بعد ما رأيت وسمعت أشعر أن جزء من قلبي قد هرم .. إن في العالم بشاعة لا يتخيلها عقل .. ولكني في الوقت ذاته تعلمت شيئاً كثيراً وتفتحت مداركي حداً لم أكن أتوقعه وازدادت بالطبع أسئلتي وحيرتي ..
لن تجدوا تفاصيل تدل على هوية الشخص لأن السرية حق لللاجئ وواجب علينا .. لذا سأدون فقط ما يفيدكم معرفته ولا يضر اللاجئ نشره .. أتمنى أن أقدّم شيئاً من خلال عرض تجربتي هذه