‏إظهار الرسائل ذات التسميات في السياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في السياسة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 26 يوليو 2013

حتى تكون خصمي، يجب أن تكون شيطاناً كاملاً وإلا ...

"المعتصمين في رابعة العدوية يمارسون جهاد المناكحة"   
"المعتصمين في ميدان التحرير يمارسون الدعارة"
"المعتصمين في رابعة يحتشدون بسبب تقديم وجبات إفطار وسحور"         
"المعتصمين في التحرير يأكلون الكنتاكي مجاناً"
"المعتصمين في رابعة متشددين" 
"المعتصمين في التحرير يفطرون في نهار رمضان"

وتستمر التهم .. وتستمر محاولات دفع التهم .. وتستمر محاولات إثبات التهم ..

وبعد حين نسأل أنفسنا: ما كان أصل الخلاف؟ وهل هذه هي حقاً الأسباب التي حشدتنا في معسكرين مختلفين؟

يبدو أننا لا نستطيع أن نتخذ خصماً لأسباب سياسية أو فكرية فقط، بل يجب أن نشيطنه أخلاقياً واجتماعياً ..

كان في منهاج دراستنا في الجامعة مادة عن كيفية إجراء البحث الأكاديمي، وكان من الأساسيات التي تُدرَّس في هذه المادة ما يسمى بالأخطاء المنطقية logical fallacies. وهذه التسمية تعبر عن أساليب في النقد والاختلاف تبدو منطقية إلا أنها خاطئة.
وكان منها
ما يسمى بـ ad hominem ولست أعرف ترجمة حرفية للتسمية إلا أنها تشير إلى أسلوب في الخطاب أو النقد يهاجم شخص الخصم الفكري أو السياسي بدل فكرته أو توجّهه السياسي. وكانت تُعطَى لنا تدريبات في هذه المادة نطالب فيها باستخراج هذه الأخطاء من كتابات لكتّاب كبار، وكانت الفكرة والعملية برمّتها عبقرية بالنسبة لي لأنها أرتني فيما أقرأ أشياء ما كنت أراها من قبل ..
وكانت عبقرية لأنني بدأت أنتبه كيف يضيع جوهر الخلاف في تفرعات لا علاقة لها .. وهي قد لا تكون تفرعات ثانوية أو هامشية إلا أنه قد لا يكون هذا زمانها أومكانها الصحيحين. فمثلاً .. وجود دعارة في مجتمعات مشكلة حقيقية يجب بحثها ومواجهتها ولكن ليس هذا مكانها ولا حينها ..

لماذا نسعى أن نثبت أن خصمنا السياسي منحل أخلاقياً؟ ألا يمكن أن يكون منحرفاً سياسياً ومتزناً أخلاقياً أوملتزماً دينياً؟

كان سيدنا علي رضي الله عنه يحارب الخوارج ويقارعهم وهو يشهد لهم بالإيمان وبحسن العبادة، ولكنهم منحرفون سياسياً وهذا كاف! كان رضي الله عنه يقول: " إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا" .. ولعل هذا تفسير عملي لوصف رسول الله المؤمن بأنه إذا خاصم لا يفجر ..

ثم .. هل هذا حقاً ما يعنينا في الموقف؟
يعني لنفترض أن المحتشدين في التحرير لا يمارسون الدعارة ولا يفطرون في رمضان - وأنا هنا لا أثبت ولا أنفي شيئاً - فلو كان الوضع كذلك هل يختفي أصل الخلاف وهل تزول دواعي التدافع؟

الحقيقة أن هذا الاتجاه في الخصومة يفسره أحد أمرين، أما الأول فهو أننا لا نرى الخلاف السياسي مبرراً أو كافياً مالم يصحبه جرم أخلاقي. وهذا متوقع مننا كشعوب لم تعتد أن تكون السياسة موضع خلاف وقد لا تحسن معالجة الخصومة فيها ..
أما الثاني فهو الحشد أي استفزاز أولئك الذين لا يستطيعون تكوين رأيي سياسي ولكنهم بلاشك يستطيعون تكوين موقف أخلاقي. مثلاً كم عدد الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانقلابات العسكرية عبر التاريخ في مقابل الذين يستطيعون أن يحدثوك عن مساوئ الانحلال الجنسي؟ وكم عدد المدركين لمساوئ الثيوقراطية في مقابل الذين يدركون مساوئ العنف والإرهاب؟

والملفت للنظر أن التهم التي يتبادلها الطرفان هي في الغالب ذاتها، أي يرمي هؤلاء أؤلئك بالانحلال الأخلاقي أوالتشدد المعادي لكل مخالف .. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا نعود في نقاشنا إلى ما نحن متفقين على أنه رذيلة وننسى ما نحن مختلفين فيه بالفعل ويستدعي أن يُناقش ..
والنتيجة هي تضييع الوقت والجهد وميادين الحوار في نقاشات لا تمس ولا تقترب من أصل الخلاف ولعلنا نضيع فرصة حقيقية لنقاش متعقّل يوصل إلى مكان ما، بدل اللامكان الذي نتخبط فيه ..

أقول هذا لأن الوضع في هذا الذي يسمى بالعالم العربي بدأ يصبح "خانقاً" بكل ما تعنيه الكلمة .. ويبدو أن شعار المرحلة القادمة "الاكتفاء الذاتي من الموت .. كلٌّ يموت في بلده!" ..


بالله عليكم .. إن كان كتب علينا أن نعيش هنا .. ومعاً .. فلنرأف بنا !!

الجمعة، 19 أبريل 2013

على هامش "الخلافات السياسية بين الصحابة"




كتاب في قمة الاعتدال يهديه كاتبه لأولئك الذين "يؤثرون المبدأ على الشخص والوحي على التاريخ".

 يراجع الشنقيطي في هذا الكتاب الخلافات السياسية التي وقعت بين صحابة رسول الله بعد أن ارتقى إلى الرفيق الأعلى. ينطلق من رؤية أن الاعتبار بالتاريخ ممكن فقط حين نبدأ بإزالة هالة القدسية عنه. ويتتبع مواقع العثرات التي تتالت وتراكمت حتى أوصلت أمتنا إلى واقعها السياسي المعاش في يومنا، وأوصلت تراثنا السياسي – حتى وقت قريب – إلى حاله في غلبة ترويج الطاعة دون الثورة، والصبر دون الاعتراض، وقبول الواقع دون السعي إلى تغييره.


يبتعد الشنقيطي في معالجته للوقائع عن التبرير المتكلف أو التهويل المزيف. ويقارن في دراسته بين منهجين من مناهج العلماء في تناول الخلاف الذي وقع بين الصحابة، ويقول قولاً عدلاً ينتقد فيه أتباع مدرسة "التشيُّع السني" كما سماها وهم الذين التمسوا لأفعال الصحابة تبريرات تخرجهم عن بشريتهم فكانوا بذلك كغلاة مدرسة "التشيُّع الشيعي" الذين رفعوا سيدنا علي إلى مراتب لم يصلها نبي ولا بشر.

إن مراجعتنا تراثنا التاريخي مهم جداً لأننا لا نملك أن نضرب عنه الذكر صفحاً كما لا نملك أن نتعامل معه محملاً بآراء لا وقائع ومكتوباً بعاطفة لا بعقل.

كنت أود لو كان الكتاب أطول وأكثر تفصيلاً فنحن في تعطّش لمثل هذه المراجعات. لكن هذا الكتاب من غير شك يفتح باباً لما بعده.

أنصح به كل باحث أو طالب علم يسعى نحو العدل والإنصاف أولاً.



* مصدر الصور:


الخميس، 28 فبراير 2013

الثورة والاستبداد بعيون القرآن



الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان وكتابه القرآن معين متجدّد من الهداية والإرشاد. إذا كان هذا الكلام صحيحاً فمعناه أن الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً لا زال يحمل لكل أهل عصر رسائل ورسائل.

وخصوصية القرآن بتجدد معانيه فريدة لا يدانيه فيها كتاب. لذا ترى آيات القرآن تبث في نفسك معانٍ تتناسب إلى حد كبير مع الحال والزمان والظروف التي تعيش بظلها. وفي ظل ما يشهد بلدي سوريا وكثير من بلاد العرب الأخرى شدّتني بدايات سورة القصص وعشت مع آياتها حيناً من الزمن أرددها وأتفكر فيها وفي السطور القادمة أبثكم ما وصل إليه تأملي في تلك الآيات.

تبدأ السورة كما يلي
"طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)"

فالآيات إذا على وشك أن تبسط لنا قصة موسى مع فرعون وهي ليست فقط قصة الإيمان مع الكفر بل قصة الحرية مع الاستبداد. وتذكر الآية أن النبأ الذي تسوقه إلينا إنما تسوقه "بالحق لقوم يؤمنون" فتكون هذه العبارة تأكيداً على أن هذا الحق الذي ترويه الآيات إنما يساق إلينا لنتعلم منه إذا كنا مؤمنين. نعلم جميعاً أن القصص في القرآن لها عبر ينبغي أن تستنبط وأنها لم تذكر لمجرد التسلية ولا لملء صفحات المصحف. إذا اتفقنا على هذا فهيا بنا نسبر أغوار الآيات القادمة.

"إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)"
بدايتنا مع فرعون إذاً .. رمز الاستبداد والاستعباد .. رمز الظلم ومصادرة الحريات .. طاغية بلغ به الأمر أن يقتل أبناء بني إسرائيل فور ولادتهم خوفاً من أن تنبت الأجيال ذلك المحرر الذي سينهي عهد استبداده.
وتشير الآية إلى أن أول عنصر في الاستبداد هو العلو في الأرض لأن المستبد يرى نفسه فوق الناس وأعلى منهم ويقارب أن يرى في نفسه ألوهية أو قد يقتنع بذلك فعلاً كما قال فرعون "أنا ربكم الأعلى" (النازعات 24). وهذا ديدن الطغاة قديماً وحديثاً.
وأذكر هنا جواب بورقيبة طاغية تونس قبل طاغيتها الزائل بن علي حين سئل عن شكل النظام في بلاده فقال: "أي نظام؟ أنا النظام!"

نعم هكذا يفهم الطغاة الحكم: سلطات بلا حدود مجتمعة في يد الحاكم "الإله" ولذا ينسبون إلى معارضيهم أو من رفعوا في حضرتهم رأساً صفات كـ "الجرذان" أو "الجراثيم" وهي نعوت تظهر خبيئة نفوسهم في نظرتهم إلى شعوبهم وتعاليهم عليها. ثم نرى تلك الخبيئة تظهر في صورة سجود مؤيديهم لهم وهتافهم لهم بالألوهية ومظاهر أخرى يشمئز منها كل صاحب عقل وأنفة.

ثم تنتقل الآية لتشرح لنا آليات الاستبداد فتقول " وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ"
سبحان الله! كل استبداد لابد أن يقوم على طائفية أو عنصرية معينة. قد تكون دينية أو عرقية أو اجتماعية أو طبقية، لا يهم، المهم أن يصنع المستبد لنفسه طائفة مخلصة يحركها كيف يشاء، ويبطش بيدها ليستضعف غيرها من الطوائف.
وأما الأساليب فقديمة تتلخص في سفك الدماء وهتك الأعراض وتختلف فيها الأدوات فقط. فإذا كان فرعون ذلك الزمان يذبح بالساطور ففراعين اليوم يذبحون الذبح ذاته بوسائل أكثر تطوراً والنتيجة واحدة. يكرر الاستبداد نفسه في كل مرة ومع أن حيله التافهة تفشل كل مرة إلا أنه يأبى أن يتعلم من نفسه.

ثم تشير الآية إشارة استوقفتني في قوله تعالى عن فرعون " إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ".
مع أن الفراعنة كانوا رعاة حضارة عريقة وشيدوا من البنيان ما تزال آثارة شامخة إلى يومنا هذا، إلا أن الفساد في الأرض حسب المفهوم القرآني هو الفساد في حق الإنسان بوصفه صانع الحضارة وغايتها. ماذا تغني الأبنية الشاهقة والإبداعات المعمارية عن شعب مقهور مقموع لا يملك حتى أن يعتقد بما يريد. فرعون سجّل له القرآن أنه كان من المفسدين لأنه شرذم قومه وجعلهم طوائف متناحرة ولأنه أزهق الأرواح التي كرمها الله وهتك الأعراض التي حرّمها الله. ولعله في زمنه ذاك كان يرى أن "إصلاحاته" يمكن أن تغفر له كل هذا الفساد فهاهو يقول "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر 29). ويذكّر القوم بما أشاد وملك فيقول "يا قومِ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" (الزخرف 51). إلا أن هذا كله غير ذي معنى إذا ما قورن باضطهاد البشر وسفك دمائهم ومصادرة حرياتهم.

ثم يكمل السرد القرآني قصته مستعجلاً إعلان نتيجة الصراع القائم بين المستضعفين والمتجبّرين حتى قبل أن يروي لنا تفاصيل الحكاية فيقول تعالى:
" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" (6(

ما أروع البشارة التي يزفها القرآن للمستضعفين في الأرض، إنها إرادة الله شاء من شاء وأبى من أبى، إنها إرادة الله أن يمنّ على أولئك الذين أذلهم فرعون واستضعفهم. ويأتي المنّ الإلهي على شكل البلاء فيشاء عز وجل أن يهبهم الحكم ليكونوا "أئمة" ويهبهم الملك ليكونوا "الوارثين".
ثم تزيد الآية في تطمين أصحاب الحق المسلوب فتشير إلى أن الحكم والملك سوف يمكَّن لهم في الأرض وأنهم سوف يقتصّون من ظالميهم.

وهنا أقف وقفتين: الأولى مسألة القصاص ومحاسبة المجرمين. وأوجه كلامي لكل أولئك الذين يدعون للعفو والحصانة وعدم مساءلة الحكّام المخلوعين. إن الله جلّ وعلا وعد مستضعفي فرعون أن يقتصوا منه بل ومن كل أركان حكمه " وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ".
لصاحب الحق أن ينتزع حقه ويجب أن يقتص من القاتل ومن الظالم، أولاً إحقاقاً للحق وثانياً حتى يعلم من يأتي بعده أنه ينبغي أن يحكم بالحسنى وإلا كانت عاقبته وخيمة. وأما الوقفة الثانية فهي مع "هامان" و"جنودهما".
في كل نظام استبدادي لابد من "هامان" يكون اليد اليمنى التي تبطش للظالم والتي تكون معه شريكة الجرم والإثم. وفي أنظمتنا اليوم نرى هاماناً هنا وهاماناً هناك. ولكن وجود هامان لا يعفى فرعون من المسؤولية وهذا ما يظهره القرآن حين يتوعد كليهما بالقصاص.
لكل الذين يقولون إن الرئيس الفلاني غير راضٍ عما يجرى: هذا كله كلام فارغ، ما نعلمه أن الرئيس أو الفرعون هو أعلى سلطة في الدولة تتحمل المسؤولية كاملة وعليها أن تتلقى تبعة أفعالها أو موافقتها على أي فعل.

وأما مسألة "جنودهما" فقد هزّتني بشدة وكأنني أراها للمرة الأولى في النص القرآني. إن القرآن خصص ذكر الجنود وحملهم مع مرؤوسيهم مسؤولية الجرم حين قال " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)". ليس الجنود مجرد "عباد مأمورين" بل هم شركاء في المسؤولية وشركاء في الإجرام. وكلمة "الجنود" تضم كل من جنّد في الدفاع عن الظالم شيئاً فليحذر أولئك المتذبذبون والذين يدسون السم في العسل.

أعتذر من قارئي على الإطالة ويبدو أن للحديث بقية فالآيات لم تنتهِ ودلالاتها وعبرها أيضاً لم تنتهِ. وخلاصة القول أن الله أراد للإنسان أن يكون حراً فبعث أنبيائه ليحرروه من كل أشكال العبودية الفكرية والعقدية وغيرها ... وأراد له أن يحيى مكرماً أبد الدهر بما وهب له حين قال "ولقد كرّمنا بني آدم"

* تجدونها أيضاً هنا: http://www.alandaluse.net/ar/index.php 

الثلاثاء، 1 يناير 2013

وأطيعوا ...



في زمن خذلنا فيه كثير من علماء الإسلام لن نكون أبداً أتباعاً في الخذلان .. نعم جزء من هذه الثورات هي ثورتنا على التقليد الأعمى وعلى التسلط المشيخي والاجتماعي معاً ..

قلت "كثير" لأن من العلماء من وقف موقفاً يشرفه عند الله وعند عباده، ومنهم من حارت في مواقفهم عقولنا فاستثقلنا اتهامهم بالنفاق أو الخيانة، لكن لا نستثقل أن نتهم بالخطأ فما من بشر فوق الخطأ وما من أحد بعد رسول الله "ما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى" ..

وإنما دفعني لأخط كلماتي هذه هو الدفاع عن الإسلام الذي يبيعون باسمه صكوكاً يملّكون بها الطغاة أموالنا وأعراضنا وعقولنا وبلادنا بما حوت .. أكتب هذه السطور عسى أن أبرّئ ساحة الإسلام مما يرمونه به من ممالأة للظلم وخنوع للبطش وسلبية في طلب الحقوق وقعود عن السعي لاستعاده المغتصب ..


إن من أول ما تعلمناه عن ديننا هو أنه أخرج الناس من عبادة العباد، فلماذا نرى شيوخنا يدفعوننا بعد كل صلاة لنؤدي الركوع والسجود لمن سرق ونهب، وظلم واغتصب، وباع وخان ..
لماذا يسمّون الأشياء بغير مسمياتها؟ لماذا يسمون الثورة "فتنة" ولماذا يسمون "الشهداء" قتلى ولماذا يضعون الجلاد موضع التعظيم ويضعون المجلود موضع المذنب الذي يستحق العقاب .


أيها الشيوخ الأفاضل .. إنّ من خرج لم ينتظر منكم فتوى فالأمر أكثر بداهة من أن يُسأَل عنه .. حُكْمٌ سرق أموالنا وكمّمّ أفواهنا وقتل أبناءنا ورمل نساءنا ويتّم أطفالنا .. بماذا يختلف عن أي غازٍ يعلن الإسلام ضده الجهاد؟
وهل يرتضي الله لعباده أن يسكتوا على الظلم وهو الذي قال في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)[1]؟


العلاقة بين الحاكم والمحكوم قائمة على أساس العقد الاجتماعي الذي تحدث عنه علماء السياسة والاجتماع قديماً وحديثاً.ولقد أوضح القرآن الكريم "بنود التعاقد[2]" بين "الرعية" و "أولي الأمر" في سورة النساء والآيات كما يلي:

(إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦۤ‌ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرً۬ا (٥٨) يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِى شَىۡءٍ۬ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأَخِرِ‌ۚ ذَٲلِكَ خَيۡرٌ۬ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلاً (٥٩) أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلاَۢ بَعِيدً۬ا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودً۬ا (٦١) فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَـٰنً۬ا وَتَوۡفِيقًا (٦٢) أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِہِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡہُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِىٓ أَنفُسِہِمۡ قَوۡلاَۢ بَلِيغً۬ا (٦٣) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ‌ۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابً۬ا رَّحِيمً۬ا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىٓ أَنفُسِہِمۡ حَرَجً۬ا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمً۬ا (٦٥)


ولقد وصل إلى يدي منذ عام تقريباً كتاب للدكتور محمد عمارة اسمه الإسلام والسياسة، وهو في الواقع من أروع ما قرأت على الإطلاق. وهو يعالج هذه الآيات في جزء من كتابه ..

تبدأ الآيات إذاً بوجوب أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، وللدكتور محمد عمارة في هذا الخصوص إشارات مهمة:


- على أولي الأمر أن يؤدوا الأمانات .. أمانات السلطات التي فوض إليهم الناس أمر القيام بها نيابة عنهم .. أن يؤدوا هذه الأمانات إلى أهلها المستحقين لها .. كل الأمانات وكاملها في كل ميادين السلطات


-  ولقد بدأت بنود التعاقد بما هو مفروض على أولي الأمر لما لسلطانهم وسلطاتهم من خطر في شؤون الدولة والعمران .. وللتأكيد على أن وفاءهم بما فرض الله عليهم هو الشرط والمبرر لطاعة الأمة والرعية لهم ..


- وزيادة في التنبيه على خطر مسؤولية ولاة الأمر، نبّهت الآية على أن هذا الوفاء في تأدية الأمانات هو أمر الله وفريضته [إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ].. فهو ليس شأناً  دنيوياً صرفاً بين الرعاة والرعية ..(معنى هذا الكلام أن الرعاة يتقربون إلى الله بأداء حقوق الناس فماذا لو لم يؤدوها؟ أفلا يحل عليهم غضب من الله لترك فريضة قررها عليهم وأمرهم بالامتثال لها؟  


- ومع الشمول الذي يدل عليه مصطلح "الأمانات" خصت الآية بالذكر "الحكم بالعدل بين الناس"


- وفي مقابل وفاء أولي الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل بين الناس تكون طاعة الرعيّة ..(جميل .. إذاً ليست الطاعة رخصة تعطى للحكام ليستبيحوا من شعوبهم ما راق لهم أن يستبيحوا، وإنما هي وفاء الأمة ببيعتها للحكام الذين وفّوا بأماناتهم وحكموا بالعدل)         


- ومما تدل عليه الآيات: أن الطاعة الواجبة على الرعية ليست لمطلق "أولي الأمر". فالطاعة أصلاً إنما هي لله (أَطِيعُواْ ٱللَّهَ) ثم للرسول فيما يبلّغ عن الله (وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ) . . . ثم تأتي الإشارة إلى طاعة أولي الأمر فتذكرهم بصيغة الجمع، تأكيداً على نفي الاستبداد والانفراد بالسلطة والسلطان – فهم "أولو الأمر" لا "ولي الأمر"..

سبحان الله .. دقة اللفظ في القرآن تحدد أموراً مهمة .. ليس في الإسلام مكان لاستبداد شخص أبداً .. والوثن لا يغيّر من وثنيته أن يكون بشراً من لحم ودم .. كل الوثنية مرفوضة في الإسلام! وبالمناسبة كلمة ولي ذكرت في القرآن في مواضع محدودة وفي الغالب تكون الإشارة بها إلى الله عز وجل "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور" [3]

 ولا بد أن يكون أولو الأمر من المؤمنين المتقين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .. أي لابد وأن يكون أولو الأمر ملتزمين بالطاعة لله والرسول، فتكون الشريعة هي الحاكمة في علاقاتهم بالمحكومين (وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُم)..


- ثم تجعل الآيات المرجعية عند حدوث التنازع والاختلاف، بين طرفي التعاقد – الرعية .. والرعاة – لله ورسوله..
ملاحظة على الهامش .. تعني هذه الآية أن حدوث التنازع ممكن! أي أننا من حقنا كطرف في العقد أن نتنازع مع الطرف الآخر إلى وجدنا حقوقنا تمتهن! وتعني أيضاً أنه إذا وقع خلاف من هذا النوع كان مرده للكتاب والسنة لا للسجن والأغلال!! لماذا إذاً يا فضيلة شيوخنا تخرجوننا عن الملّة إذا نبسنا ببنت شفة وتلعنونا ليل نهار لأننا "شققنا عصا الطاعة" ؟؟؟


-  ورأي الدكتور محمد عمارة هذا ليس بدعاُ من الآراء ولا جديداً في عالم السياسة الشرعية، فقد قال ابن تيمية في هذه الآيات "جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة" وهو أيضاً يشير إلى أن الآية الأولى نزلت في أولي الأمر، والثانية في الرعية توجب عليهم أن يؤدوا الطاعة لأولي الأمر الذين أدوا الأمانات إلا أن يؤمروا بمعصية الله فحينها لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.(معصية الخالق .. مثل ماذا؟ قتل النفس البريئة؟ سرقة الأموال؟ استباحة الأعراض؟ تكميم الأفواه عن الحق؟ تكبيل الدين؟ أليست كل هذه الجرائم مما اعتاد حكّامنا أن يمارسوها في حقنا؟ أليسوا يأمرون مسؤوليهم – أو على الأقل يبيحون لهم – أن يظلموننا ويقتلوننا ويأكلون حقوقنا؟ لماذا تريدون منا بعد ذلك أن نؤدي واجبنا في عقد هم نقضوه منذ زمن؟ 


- ومن اللفتات الجميلة في هذا الخصوص رأي الإمام محمد عبده في من هم "أولي الأمر" .. يرى الإمام أن اللفظ يعم كل من ولي من أمر المسلمين طرفاً .. أي أن اللفظ يشمل الحكام (السلطة التنفيذية) .. ويشمل أيضاً القضاة (السلطة القضائية) والعلماء (السلطة التشريعية) وقيادات المؤسسات والمجتمع .. رؤية توزع السلطات بدل أن تكدسها في يد شخص تجعله هو الدولة والقانون والقيادة معاً ..فالطاعة إذاُ ليست لكل حاكم ولا لأي حاكم فلا تبيعوا وتشتروا باسم الإسلام الذي حرر البلاد والعباد فأردتموه تقييداً وكبتاً ولا تنبشوا في الكتب الصفراء عمّا كُتِب في الأساس لإرضاء من سلف من الحكّام المستبدين ..

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ألا أخبركم بخيار أمرائكم و شرارهم ؟ خيارهم الذين تحبونهم و يحبونكم و تدعون لهم و يدعون لكم و شرار أمرائكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم"[4[

يؤكد حديث رسول الله على ضرورة رضا المحكومين بحاكمهم وعلى أن خيرية الحاكم تقاس بمدى محبة ورضا الناس عن حكمهم .. والعكس صحيح .. فإذا أبغض الحاكم محكوميه كان ذلك دليلاً على أنه من شرار الأمراء لا من خيارهم .. ومتى ينشأ البغض بين الحاكم والمحكومين؟ عندما ينصّب المحكوم نفسه على رؤوس العباد رغم إرادتهم ودون رضاهم ثم يأخذ منهم السمع والطاعة زوراً وبهتاناً بل إرهاباً وإرغاماً .. فيبغضونه لظلمه ويبغضهم لأنهم خطر يتهدده في كل وقت ..

لماذا تقرؤون علينا القرآن الذي يحدثنا عن فرعون وتلعنون أفعاله وتعيدون على مسامعنا قصته مرة بعد المرة .. حتى إذا ما قمنا إلى فراعيننا ننتزع حقوقنا اتهمتمونا بالعمالة والخيانة والفسوق؟ لماذا علمتمونا أن "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز : أي الجهاد أفضل ؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر"[5] فلما قمنا نقول كلمة الحق اختبأتم في المحاريب ورميتمونا بالفساد والإفساد وبالفتنة والافتتان؟لماذا علمتمونا أن رسول الله قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه، فقتله"[6] فلما استشهد زهرة شبابنا على يد الحاكم الجائر قلتم "سلوا عن الأسباب لا تسألوا عن النتائج"!!!


لا طاعة إلا لمن أطاع الله فينا .. لا طاعة إلا لمن خاف الله فينا .. لا طاعة إلا لمن اتقى الله فينا ..  





[1] رواه مسلم/ 165
 [2]الكلام عن بنود التعاقد مأخوذ في أغلبه من كتاب الإسلام والسياسة للدكتور محمد عمارة

 [3]البقرة/ 257
 [4] نقله السيوطي في الجامع الصغير (2599)، وأخرجه الترمذي (2264) وقال عنه الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني

 [5] النووي في تحقيق رياض الصالحين وقال صحيح

 [6] أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وقال صحيح، ومن المحدثين من قال: صحيح أو حسن أو ما قاربهما.

* مصدر الصورة: http://www.swishschool.com/vb/