كان ذلك في آخر أيام مهمة الترجمة الأخيرة .. وكنت اتصلت لأخبر هذا اللاجئ بنتيجة طلب إعادة التوطين الخاص به ..
كان قد قُبِل .. وكنتُ أنا
أيضاً - بعيداً عن كل حيثيات القضية - سعيدة من أجله ومن أجل عائلته ..
شديداً كان إصرار ذاك
اللاجئ على أن يعرف اسمي .. وكذلك كان إصراري على ألا أقول ..
كان يسأل وكنتُ أقول: لا
يُسمَح لنا أن نعطي أي معلومات شخصية عنّا
..
حينها قال: "لا أنا
بس أريد أعرف اسمك على شان ادعيلك باسمك .. والله ما أنساك من الدعاء لا أنا ولا زوجتي
من يوم المقابلة وكنت أريد أعرف اسمك حتى أدعي لك باسمك"
تمنيت حينها لو انشقت
الأرض وابتلعتني .. تمنيت لو أنني لم أتصل .. بل لو لم أحضر للعمل ذاك النهار ..
خجلت جداً .. جداً ..
كنت أتمنّع عن ذكر اسمي
لأسباب عدة .. أهمها أنه بالفعل لا ينبغي للمترجمين أن يعطوا أية معلومات شخصية
لأن هذا قد يجعلهم في خطر فقد حصل من قبل أن آذى بعض اللاجئين المترجمين حين لم
تقبل طلباتهم، في الوقت الذي ليس للمترجم من الأمر شيء .. كل ما نقوم به هو
الترجمة والقرار أولاً وأخيراً بيد الدولة المستقبِلة
..
والسبب الآخر هو أنني لم
أشأ أن يتصل هذا اللاجئ لاحقاً ويطلبني وهاتف العمل هذا لن يكون معي بعد ساعة أو
ساعتين .. خاصة وأنه قد أكثر الأسئلة وجعلني أتململ من إعادة الكلام نفسه ..
لكنه بعد أن صفعني برده
اللبق .. جعلني أتقزّم في عين نفسي حداً لم أشعره منذ زمن ..
لم أستطع - رغم أني أردت
بالفعل - أن أقول له اسمي بعد ذلك .. ولكن بينما راح يمطرني بأجمل الدعوات رحت أنا
أشكره من كل قلبي .. وأزرع بين كلماتي اعتذارات خجولة ..
شعرت حينها .. ولأيام تلت
لم يغب خلالها هذا الموقف عن بالي .. شعرت كم كنت مغرورة في ذاك الموقف ..
كنت أعتقد أنه يحتاج إلي
.. وأنا التي كنت أحتاج دعواته تلك
..
كنت أظن أنه سيطلب .. وهو
كان يريد أن يعطي ..
كانت دعوة مظلوم .. نعم
بالطبع وأي ظلم أكبر من حرمان الإنسان وطنَه .. وأنا كنت بحاجة أن يدعو لي مظلوم ..
قلت في نفسي كم نُخدَع في
الناس .. ولكن أكبر خديعة هي أن نُخدَع في أنفسنا
..
بحّة صوته .. المكان الذي
كنت أحدثه منه .. وحتى حركة يدي حين جاءني رده .. لازالت كلها ترافقني ..
لم يكن هذا اللاجئ هو
الوحيد الذي شكرني ودعا لي مليّاً بعد أن قُبِلَ طلبه .. فلا زالت كلمات لاجئ آخر
تتردد في أذني "الله يفرّح قلبك متلما فرحتي قلبي" .. وابتسمت حداً أوسع
من وجهي نفسه .. يااااااااه أحتاج هذه الدعوة
..
ذاك اليوم رغم ما كان فيه
من تعب وخجل ومواقف لن أنساها ما حييت لخّص كل ما عملت عليه لأشهر ..
كثيرة هي الأعمال التي لا
احتكاك مباشر فيها مع الناس .. وهي في كثير من الأحيان أسهل لأن التعامل مع الناس
على اختلاف طبائعهم وأهوائهم وأفهامهم وأخلاقهم .. ليس هذا التعامل سهلاً أبداً ..
ويحدث أن تجد نفسك على وشك الانفجار
..
لكن يوماً كهذا يُنسيك كل
شيء .. إن تلك الأعمال التي لا تنطوي على احتكاك إنساني لا تنطوي حتماً
على نفس القدر من اللذة
..
لذة "من فرّج عن مسلم
كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة" .. لذة " والله في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" .. ولذة "من سعى في حاجة أخيه ...."
عفوَك يا رب .. عفوك عن
عجرفتي غير المبررة تلك ..
وصل الدرس .. تعلمته ..
وفهمته .. جداً ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق