الخميس، 27 يونيو 2013

على هامش "أنا" لـ عبّاس محمود العقّأد


"الكاتب الأمريكي وندل هولمز يقول إن الإنسان - كل إنسان بلا استثناء - إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة: الإنسان كما خلقه الله .. والإنسان كما يراه الناس .. والإنسان كما يرى هو نفسه"

هذا الاقتباس الذي يتصدر أولى مقالات الكتاب هو الذي شدّني لقراءة الكتاب بعد تردد ..
الحق أنني لم أقرأ الكتاب لأتعرف على العقاد بقدر ما قرأته لأقترب من ذاتي .. والعقاد هو أديب أحترمه وأحب كتاباته، إلا أن هذا الكتاب جاء ضمن سلسلة قراءات تتعلق بمناوشات أمرّ بها مع نفسي حول الإنسان والإنسانية والحياة والهدف والغايات والمآلات ..

وقد أفادني هذا الكتاب لأن ما سجّله الكاتب هنا هو في جزء كبير منه قابل للتعميم أو على الأقل للتعلم ..
وليس الأسلوب شخصياً ضيقاً يروي أحداثاً ويسرد أسماء كما تكون بعض السير الذاتية ..

في هذا الكتاب ترى العقاد الباحث يقدم لك نتاج جولات معرفية وفكرية في علوم وفلسفات وعقائد شتى، ويبنى على ذلك كله رؤى عن الحياة والإنسان، عن الطبائع والأخلاق، عن البواعث والغايات وأمور أخرى كثيرة ..

وفي هذا الكتاب أيضاً ترى العقاد الأديب يطوف بك في عوالم الفن والموسيقى والشعر والنحت، فيطرق في نفسك جوانب لربما أهملت منذ حين ليعيدك إلى الحياة بنفسٍ أقدر على تقدير ما أبدعته الموهبة الإنسانية من جمال .. 
ويحدثك الأديب أيضاً عما كتب وعما لم يكتب وعما يريد أن يكتب .. كما يحدثك عن أسلوبه في الكتابة وفي القراءة .. وفي هذا فائدة كبيرة لمحبي الأدب والمشتغلين به ..

وفي هذا الكتاب ترى العقاد الإنسان الذي خاض وعرف وعثر ووقف، فتجده يرسم لك الخطوط العريضة عن ما وصل إليه من قناعات في الحب والإيمان، في الصداقة والعداوة، في الموهبة والعمل وغير هذا وذاك ..

 
وفيه أيضاً ترى العقاد الجدّ .. يروي لك انتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى .. فيحدثك عن الطفولة والنشأة، وعن الشباب والمغامرات، وعن النضج والتجارب، وعن الكهولة والحياة .. فيبسط لك ما وصل إليه من عبر ودروس ..

ولعل أكثر ما أعجبني في الكتاب هو أن العقاد من الأعلام الذين لا يصنفون "شيوخ دين" ولا "دعاة إلحاد" ..فهم بعيدون عن الخرافات والسخافات بعدهم عن التعنّت والاجتراء .. بل هو أولاً وقبل كل شيء إنسان وهو من ثم روح حرة وعقل مفكر .. هؤلاء برأيي هم الذين يصلحون للحديث عن الإنسان والنفس الإنسانية لأنهم يصدقون أنفسهم والآخرين ..

وأخيراً بعض اقتباسات:
"إننا نكبر بالليل جداً يا صاح .. إن الليل هو عالم النّفس، وأما النّهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان"

"قل إنّ الكون حركة لا مادة فيه. ذلك أيسر من أن تقول: إنّ الكون جرم لا روح فيه! قل إنّ الكون نور. قل إنّ الله نور السماوات والأرض. فإذا قصر بك الحسّ عن نور الله فثق أن الضياء الذي يملأ الفضاء هو النّور الإلهي الذي كتب لابن الفناء أن يراه"

"ولكنني أحب من حين إلى حين أن أستغرب ما آلف وأن آلف ما أستغرب"

"وما لم يكن الإنسان مجرماً غارقاً في الإجرام أو نذلاً مغرقاً في الخسّة فعيوبه وخطاياه "قاسم مشترك أعظم" بينه وبين الآدميين جميعاً من قبل الطوفان إلى نهاية الزمان"

"أحسن الظن بالناس كأنّهم كلهم خير واعتمد على نفسك كأن لا خير في الناس"

"وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخّرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة"

"فلسفة حياة في بضعة سطور: غناك في نفسك، وقيمتك في عملك، وبواعثك أحرى بالعناية من غاياتك، ولا تنتظر من الناس كثيراً"

الكتاب جميل وسلس .. للمقبلين عليه: قراءة ممتعة  :)




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق