توالت عصور الانحطاط والذل على أمتنا حتى كادت تنسى أنها سيدة بنت
أسياد. وعمّ التخلف والتراجع حتى كاد الجميع ينسى أنا قدنا العالم يوماً.
ولكن اليوم .. في الأمة جيل جديد...
جيل لا يؤمن بأنه "مافي اليد حيلة" بل يؤمن بأنه (إن
تنصروا الله ينصركم)
جيل لا يقدس الأشخاص بل ينتفع بالأفكار...
جيل يعلم أن المذهبية الضيقة ليست إلا نسخة جديدة من العصبية
الجاهلية...
جيل يفهم أن وصف نبيّنا صلى الله عليه وسلم بقيّة الأنبياء عليهم
السلام بأنّهم إخوانه يعني أنّ أتباعهم "أبناء عمومتنا"...
جيل يدرك أن (الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فيبدأ
في التغيير من نفسه...
جيل يرفض فكرة "المؤامرة" وأن خلف أي شيء يد خفيّة لسنا
أمامها سوى أحجار شطرنج تحركها كيف تشاء، بل يؤمن أنه (ليس للإنسان إلا ما سعى)
جيل يقرأ في القرآن (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)
فيفهم أنه لا يكفي أن تكون الدعوة صحيحة حتى تنجح ... بل يلزمها أيضاً الأسلوب
الصحيح...
جيل يعلم أن مقولة "امشِ الحيط الحيط وقول يارب السترة"
ليست إلا شعار الجبناء والكسالى...
جيل يعلم أن الإسلام لم يأتي ليدفن في المساجد ... بل جاء لينير
كلّ تفاصيل الحياة الإنسانيّة...
جيل يعلم أن العبادة تكون في الجامعة وفي المعمل، كما تكون في
المسجد وحلقات الذكر...
جيل يقرأ في القرآن (أفلا تتفكرون) فيعلم أن مراد الله من الإنسان
هو أن يتعرف إليه في كل شيء يراه، وأن في الكون قرآناً مشهوداً تتمم آياته آيات
القرآن المقروء...
جيل يعتز بالنفيس الذي عنده، ولكن لا يرى مانعاً من الاستفادة من
الخير الذي عند غيره...
جيل لا يثبّطه عظم البلاء، ولا يغريه عظم الإنجاز...
جيل يستيقظ كل يوم ليصنع الدّنيا، لا ليتخبّط بين يديها...
جيل يحافظ على كل قديم نافع، وينفتح على كل جديد مفيد...
جيل يدعو إلى دين جاء في القرن السابع، ولكن بوعي وفهم ووسائل
القرن الواحد والعشرين...
جيل يحترم التخصص، ولا يخجل من أن يقول: لا أعلم...
جيل يؤمن أن الإنسان الذي قال عنه الله (ولقد كرمنا بني آدم)
لا يحقّ لأحد أياً كان أن يذلّه...
جيل يدرك أن الله لن يسأله عن أخطاء السابقين التي لم يرتكبها هو،
ولكنه سيسأله عن إصلاح كان يستطيع أن يتركه لمن بعده...
جيل يملك من الوعي ما يمكّنه من تمييز الخطأ، ويملك من الجرأة ما
يمكّنه من رفضه...
جيل يعي قولاً وعملاً أنّ "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود
قضية"...
جيل يؤمن بصدق أن المؤمنين إخوة، وأن كل عامل في سبيل الله هو شريك
في الجهاد يستحق الاحترام وإن اختلف معه في الرأي...
جيل ينتهج الوسطية لا لأنها تروق له، بل لأن الله قال (وكذلك
جعلناكم أمة وسطاً)...
جيل لا يرفض المجتمع، بل يسعى إلى إصلاحه...
جيل لا يبغض الآخر، بل يسعى إلى هدايته...
جيل لا يعرض عن المال، بل يستخدمه في طاعة الله...
جيل لا يتكهّن في الأديرة، ولكن يجعل من الزواج رحلة نحو رضى الله...
جيل يعرف كيف يعطي كل ذي حق حقه...
جيل يدرك أن "الله كفل لكل طائر طعامه ولكنه لم يضعه له في
فمه"...
جيل لا يبكي على أطلال أبي بكر أوعمر أوعلي أوعثمان أو صلاح الدين،
بل يسعى أن يستنسخ من كل واحد منهم ألف نسخة...
جيل يدرك أن في الإسلام أولويّات، فيفرق بين الفرض والنافلة، بين
العام والخاص، بين المقيد والمطلق...
جيل يدرك أن الخلافة في الأرض ليست رخصة تبيح له الفساد كيف يشاء،
ولكنها مسؤولية وأمانة عليه أن يصونها...
جيل يعلم أن (خير أمة أخرجت للناس) ليس تمييزاً عرقياً أو طائفياً
وإنما هو وصف له مقومات وشروط...
جبل يقدّس النقل، ولكن لا يعطّل أمامه العقل، لأنه يدرك أن العقل
هو وعاء النّقل...
جيل يصنع صحوته ونهضته ولا ينتظر أن تأتيه وهو مستلق ينسج الآمال...
هذا الجيل موجود... أنا لا أبالغ ولا أتخيل... في الأمة هذا الصنف
المتميز. وهذا الجيل هو أمل الأمة الذي أعاد لها شبابها. حقاً إن الأمة اليوم تعود
شيئاً فشيئاً إلى شبابها ورونقها وتسترد عافيتها. إن الإسلام اليوم يعيش أياماً
فاصلة على كل المستويات وإن الأيام القادمة ستحمل على أكتاف هذا الجيل خيراً
كثيراً...
ومن المهم أن أوضح أن كلمة جيل فيما سبق لا تعني مواليد سنة كذا أو
كذا لأن الوصف لا ينطبق على الجميع، وإنما تعني كل العاملين الذين جعلوا الأمة
همهم والإصلاح هدفهم ووجه الله مبتغاهم. فكم من شباب شاخت عقولهم وقلوبهم وكم من
شيوخ تتفجر فيهم الحيوية كل لحظة إنجازاً وعطاء وبذلاً...
فإذا انطبق عليك الوصف فهنيئاً لك واعلم أنك لست وحدك وأن جنود
الله كثير...
وإذا لم ينطبق عليك الوصف فالمسألة مسألة اختيار لك فيه الحرية
التامة. فهل تريد إذاً أن تكون من جيل النهضة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق