- لم تجد مساحيق
التجميل إلى وجهها سبيلاً .. ومع ذلك كانت جميلة حداً لا تخطئه العين ..
حاجباها المهذبان بعناية كقطعتي
ليلٍ هامتا بعينيها السوداوين فلم تقويا على الفراق
..
قسمات وجهها حادة تشعّ
بالثقة .. ونقاء بشرتها يفسح للناظر مجالاً من الخيال المجنّح ..
أنيقة .. هادئة ..
ستة عشر عاماً خلت من
عمرها .. أوصلتْها إلى غاية التفتّح الذي كانت عليه لما التقيتُها..
أدخلتُها إلى الغرفة وما
إن بدأت تروي قصتها حتى رأيت شخصاً آخر ..
اختنق صوتها في زحمة من
الشهقات .. وغاب بريق عينيها الأخّاذ خلف سيل من الدموع .. وراحت تروي قصة تركت في
روحها جرحاً لا يريد أن يلتئم ..
وكنت أجلس أمامها أحاول أن
أتخيل شعرها الأسود الذي خبّأه حجاب أنيق
..
ومع نهاية المقابلة ..
رأيت روحاً مهترئة .. وقلباً منهكاً .. ونفسية مهزوزة .. تختبئ خلف ستارة من
الجمال تسرّ الناظرين ولا تسلّي عن القلب شيئاً..
- كان مرحاً لطيفاً .. ولبقاً
أنيقاً ..
دخل الغرفة وبدأ يتحدث
بإنجليزية أنيقة أيضاً ..
شاب في مقتبل العمر ينتظر
طفله الأول .. ويتحدث عن زوجته بقدر من الحب والتقدير غبطتُها عليه ..
وبدأ يروي قصته .. حتى وصل
إلى مفترق هام فيها .. فبكى ..
وتمنّيت لحظتها لو تنشق
الأرض لتبلعني .. أحسست بكيانه الرجولي الأنيق ينهار مرة واحدة .. أنا لم أعِبْ
عليه بكاءه ولكنّي تألّمت لتحرّجه من الدموع التي غالبها فغلبته ..
مع نهاية المقابلة .. رأيت
ماضٍ مغرق في الألم .. وجراح غائرة في الروح .. يختبئان خلف ابتسامة رزينة وشخصية
جذابة تحاول بكل الطاقة الإيجابية التي فيها أن تتطلع إلى مستقبل أفضل ..
- حذرني كل من قابلها من
العاملين في المفوضية من شراسة طبعها .. بل لقد نصح البعض بألا أتولى قضية تلك
اللاجئة كوني جديدة على العمل .. وقيل لي إنها لا تزور المكتب مرة إلا ويصحبها
"زلزال" وإنها تشاجرت مع العاملين بدءاً بمسؤولة الحماية وحتى السائقين..
ثم تسلّمتُ الملف خاصّتها
وقمت فيه بجولتي المعتادة .. قرأت قصّتها المؤلمة ثم انتظرت يوم لقائي بها لأحلّ
اللغز ..
دخلَتْ علي بثقة عالية وما
إن أرشدتُها إلى مقعدها وربما قبل أن أوجّه لها السؤال الأول باشرتني باعتراض عريض
.. وراحت تنثر على مسامعي محاضرة طويلة وتهاجم العاملين في المفوضية جملة وأفراداً ..
لم تكن ردة فعلي مفاجَأةً
بقدر ما كانت محاولةً لاحتواء الموقف، فالتمهيد الذي تلقيته قبل مجيئها كان قد
أعطاني فكرة عن الشخص الذي سأقابل ..
حاولت أن أتجنب الصدام
وأتابع عملي بأقل الخسائر .. لكني بعد أن غصت في قصة هذه اللاجئة أدركت أن وراء
غضبها الذي لا ينطفئ وثورتها العارمة التي تنفجر في وجه كل أحد وأي أحد صدمة نفسية
كبيرة .. وفهمت أن الإنسانة الماثلة أمامي تفرّغ طاقة ضخمة من الإحباط والألم ..
وبالرغم من صراخها
المتواصل وأسلوبها البعيد عن أي لباقة أو أدب .. إلا أنني أشفقت عليها ..
لم يكن لدي شك أنها تعاني
أزمة نفسية شديدة .. ولم أخاطر بالطبع بأن ألمّح لذلك لعلمي أنها خطوة لا تحمد
عقباها ;-)
اختلفت انطباعاتي في القصص الثلاث .. كما اختلفت في
قصص غيرها .. ولكن الدرس الذي تعلمته هو أن عيوننا لا ترى إلا الستارة .. إن خلف
الوجوه عوالم لا نصل إليها ..
وحينها فقط فهمت معنى "التمس لأخيك
سبعين عذراً"
بدأت أسأل نفسي: عندما نرى
وجوه الناس في الشارع هل نتخيل أن وراء كل وجه حكاية؟
وعندما يسيء أحدهم إلينا
هل يخطر ببالنا أن هذه الإساءة لربما هي غضبة من شيء آخر قُدّر لها أن تنفجر الآن وهنا؟
وهل نهمس لأنفسنا
"لنتجاوز عنه، لعله ألمٌ قديم"
قد يقول البعض: يكفي كل واحد منّا همّه .. صحيح ..
ولكن قل لي إذا لم تضع في اعتبارك أن للآخرين هموماً فلماذا يتوجب عليهم أن يضعوا
همومك في اعتبارهم؟
"التمس لأخيك سبعين عذراً"
"التمس لأخيك سبعين عذراً"
"التمس لأخيك سبعين عذراً"
*مصدر الصورة: http://forum.al-wlid.com/t38236.html

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق