السبت، 23 فبراير 2013

على هامش "الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني"



وددت بعد القراءة وعدد من النقاشات مع الأصدقاء أن أدوّن بعض الأفكار عن الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الدمشقي الجميل نزار قباني .. ويروقني – وأعتقد أنه يروقه هو أيضاً – أن أناديه بالدمشقي .. فالروح الدمشقية تنبعث من كل ما كتبه هذا المبدع .. تصاويره .. تعابيره .. جرس أبياته .. كل ما كتبه هذا الشاعر كان دمشقياً بامتياز ..
أول ما يجب أن أدوّنه هنا هو أن الكتاب المعنون بهذا العنوان لا يضمّ كل أعمال نزار الشعرية، بل إن بعض أجملها ليس فيه .. ومن ذاك دمشقياته .. وكثير من أشعاره السياسية التي تجد أغلبها في ديوان "قصائد مغضوب عليها" ..


نزار واللغة:
لا شك أنّ الذي يتذوق الشعر سيُسكِره كأس نزار أكثر من غيره .. لكن حتى القارئ حديث العهد بالشعر لن يعاني في فهم مراد نزار والتماس أحاسيسه ..
وهذا من أجمل ما في شعر نزار: بساطته ومباشرته .. فصاحة بلا تقعر .. وإبداع بلا تكلّف ..
نزار في لغته عربي مفوّه .. لكنه أيضاً "ابن بلد" فلا تخلو أبيات نزار من كلمات عامية هنا وهناك .. تأتي في الموضع الذي لا يصح أن يستعمل فيه إلاها لأنها وحدها تؤدي المعنى المطلوب ..
اللغة عند نزار جبل ضخم والشعر في يده إزميل والإزميل هو آلة النحت التي يحركها نزار بمهارة لرسم أجمل معان ومشاعر على صفحة اللغة العربية العبقرية .. وهذه الكلمة محببة لنزار يستعملها كثيراً كما في (الموال الدمشقي): 
يا شام يا شامة الدنيا ووردتها ... يا من بحسنك أوجعتِ الأزاميلا  
نزار في الوصف تفصيلي مولع بالدقائق (اقرأ مثلاً "الضفائر السود" أو "ضحكة")
وفي التشابيه تصويري حد المشاهدة (اقرأ مثلاً "إلى عينين شماليتين")

نزار بين الحب والسياسة:
نزار في شعر الحب سلطان .. ومن أجمل قصائد الحب عنده ""أين أذهب" و "بعد العاصفة" و "رفقاً بأعصابي" و "يوميات رجل مهزوم" ..
وهناك رأي معتبر يرى أن الأغنية ساهمت في إيصال نزار إلى شريحة أوسع من العامة .. وهذا قد يكون صحيحاً لكن نزار الذي أوصلته الأغنية للعامة هو نزار العاشق لا نزار الثائر ولا نزار السياسي الدبلوماسي .. وإن كان نزار يرى الحبّ حالة ثورية:
إني لا أؤمنُ في حبٍّ..
لا يحملُ نزقَ الثوارِ..
لا يكسرُ كلَّ الأسوارِ
لا يضربُ مثلَ الإعصارِ..
ولكن صورة نزار التي يرسمها رواج أشعار الحب دون أشعار السياسة هي صورة منقوصة مغلوطة .. فنزار كان سياسياً مخضرماً خدم سفارات سوريا في بلاد عديدة، ثم هو مفكّر صاغ أفكار الحرية والعدالة وحب الوطن إبداعات لغويّة .. كما أرّخ لأحداث من العصر العربي الحديث بقصائد رائعة مثل "هوامش على دفتر النكسة" .. ومن جميل سياسياته "متى يعلنون وفاة العرب" و "السيرة الذاتية لسيّاف عربيّ" و"أطفال الحجارة" و"هجم النفط مثل ذئب علينا" وفيها يقول:
لا يبوس اليدين شعري .. وأحرى  ... بالسلاطين أن يبوسوا يديه

وإن تغييب الأشعار السياسية لنزار ليس محض صدفة وليس فعلاً بريئاً نتج عن سهو أو قلة اهتمام .. بل إن أشعاراً كتلك التي ذكرت ليس في مصلحة الأنظمة المستبدة أن تنشر وتنتشر ..
ولذا ورغم أنني درست في دمشق لم يكن نزار الدمشقي موضع اهتمام في مناهجنا .. وكنا ننظر إلى التي تقرأ اشعار نزار نظرة ريبة لأننا عُلّمنا أن نزار هو شاعر التفسخ وشاعر الجسد .. ولم يحدث أن قدّمه أحد لنا على أنه شاعر الحرية أو التحرير ..

نزار والمرأة:
من الأشياء التي تلفت في شعر نزار هو تقمصّه شخصية الأنثى في بعض القصائد والحديث باسم المرأة ومن أجمل ما كتب من هذا النوع "شؤون صغيرة" و "رسالة من تحت الماء" و "إلى رجل" ..
ونزار يعتبر تحرير المرأة قضية من قضاياه الكبرى .. وهذا تلمحه في قصائد مثل "رسالة من امرأة حمقاء" و "أسائل دائماً نفسي" ..
 إلا أن المرأة التي أراد نزار أن يحررها هي تلك التي يراها هو أو ربما يريدها هو ..
فنزار كان معنياً بتحرير جسد المرأة وقلبها ضمن دائرة الحب والجنس، وهاتان القضيتان وإن كانتا حتى الآن تعالجا بقدر كبير من الذكورية في مجتماعتنا، إلا أنهما لا تلخّصان المشاكل التي تعاني منها المرأة .. فضلاً عن طريقة نزار في تناول الموضوعين .. والحدود التي يرسمها أو بالأحرى لا يرسمها للتعاطي معهما ..
نزار لم يكن معنياً بتحرير فكر المرأة .. لم يكن معنياً بتوسيع دائرة تأثيرها المجتمعي ..
وهذا يكشف عيباً كبيراً في نظرة نزار للمرأة .. بل وللإصلاح المجتمعي ذاته .. فكيف تسعى لتحرير "بعض" إنسان؟
إن امرأة حرّة الجسد والقلب مكبّلة العقل والفكر .. ليست أحسن حالاً على الإطلاق .. بل قد تكون كارثية لنفسها ولمن حولها ..

نزار والإباحية اللغوية:
قد يستهجن البعض اللفظ .. لكن بعض قصائد نزار لا تخلو من شيء كهذا .. سواء كان في الإغراق في وصف جسد المرأة وصفاً يخدش الحياء ..
أو في التطاول على الذات الإلهية في عدة مواضع ..
بقدر ما تحتاج مجتمعاتنا للتصالح مع الحبّ .. فهي تحتاج أيضاً إلى ترشيد الحياء .. أما التصريح اللامحدود فلست أرى له وظيفة اجتماعية على الإطلاق وإن كان كذلك فالأولى أن يبقى حالة خصوصية لا تتجاوز حدود غرف النوم ..

نزار ودمشق:
أحببت أن أختم بدمشق كما بدأت بها .. ولولا أنه لا يختلف اثنان في روعة ما كتب نزار في دمشق لكانت شهادتي هنا مخدوشة تماماً .. فأنا إذ تذكر دمشق لست أقل تطرفاً من نزار على الإطلاق ..
سمعت من أحد النّقاد مقالة أظنه أصاب فيها كثيراً من الحقيقة .. وهي أن نشأة نزار في أجواء دمشقية ساحرة الجمال كان ذا أثر ملموس في إذكاء موهبته الشعرية الفذّة ..
البيت الدمشقي السابح في بحر من الياسمين .. والباحة المنزلية المعانقة لبحيرة الدار .. وأصوات العصافير تتراقص وتتراكض في "مربع" الدار .. أية بيئة أكثر شاعرية من هذه البيئة ..
"الموال الدمشقي" و "القصيدة الدمشقية" و "خمس رسائل إلى أمي" و "من مفكرة عاشق دمشقي" من أجمل قصائد العشق التي كتبها هذا الدمشقي الجميل ..
ومع ذلك كله .. لم تدرّس لنا هذه القصائد في مدراس دمشق ذاتها .. وهذا خزي كبير ..
لكن قارئها سيدرك فوراً سبب تغييبها على روعتها ..

أما أجمل قصائده على الإطلاق فيصعب بشدة اختيار قصيدة كهذه .. لكن قد يتفق كثيرون على أن إحساس نزار لا يفيض ولا يصل إلى القارئ كما يصل في قصيدته "بلقيس" التي كتبها بعد مقتل زوجته بلقيس .. هذه القصيدة مزيج من السياسة والحب والثورة والغضب والحزن والألم .. وهي من أجود ما خطه نزار ..

سلام عليك أيها القائل:
شعري أنا قلبي، ويظلمني ... من لا يرى قلبي على الورق
وأيضاً:
أنا بعض هذا الحبر ما عدت ذاكراً ... حدود حروفي من حدود أصابعي 




* مصدر الصورة: http://nizariat.com/nizar_photos.php 

هناك 3 تعليقات:

  1. احب كلماتك..واحب ارائك مع انني انفر من السياسة...لكن لا بأس ببعض منها عندما تذيل المقالة باسمك..عندها لابد من ان يكون شيئا يستحق القراءة....
    احييك اولا..ومن ثم عندي لك اقتراح..وقد يكون طلب ...
    قراءاتك مميزة وتعليقاتك عليها اكثر تميزا...
    وانا كمحب للقراءة دائم الخيبة ودائم الحيرة....
    لماذا لا تبدأين بتصنيف عناوين قراءاتك مرفقة بانطباعاتك عنها هنا على مدونتك
    ستفيدين العديد وترشدين غيرهم ..
    وقد يصبح book club بنسخة مصغرة....
    وفقك الله ورعاك...
    وانا بانتظار كل جديد...

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً لجين على مرورك وعلى كلماتك اللطيفة ..
      اقتراح جميل ومبادرة طيبة منك ..
      فكّرت بهذا الموضوع بالفعل ولهذا الغرض بدأت زاوية "مكتبتي" لأكتب فيها عن الكتب التي أقرأ من باب تبادل العلم ولأنني استفدت من توصيات بعض الأصدقاء بكتب معينة، فلعل غيري يستفيد أيضاً من توصياتي ..
      للأسف كثير مما قرأت لم أكتب عنه ومن الصعب أن أفعل الآن .. لكن سأضيف الكتب التي كتبت عنها وبإذن الله من الآن فصاعداً سيكون لي تعقيب على كل كتاب أقرأ .. أو على الأقل ما يعجبني منها ..

      تحياتي لك .. ومسرورة جداً بمتابعتك ..

      حذف
  2. أشعر بالفخر والروعة حيال هذه الكلمات الجميلة التي تكتبها اناملك ايتها الرائعة... نحن امام وعد جديد بقلم يتدفق بالعاطفة والامل ويرسم في لوحة آمالنا كل حميل.....
    انها لحظة للامل في عالم صار متخما بالاحباط...
    محمد حبش

    ردحذف