كان هذا جوابه على سؤال:
هل تستطيع العودة إلى العراق؟
وكان دوري في هذه
المقابلة هو ترجمة الكلام
..
وبين المسؤولة الأمريكية
المنتظرة ترجمتي .. وبين اللاجئ العراقي الذي يهزّ رأسه في الطرف الآخر من الغرفة
.. .. تجمّدت أنا ..
وتوقّف الزمان وتسمّرتِ
الأرضُ في مكانها حتى لكأنّها لم تدُرْ يوماً ..
وصمتُّ عجزاً عن الكلام
لا بغضاً له .. وتزاحمت في عقلي مئات الأسئلة ..
ثم أفقتُ فجأة .. وأدركت
أنّني عطّلت العمليّة .. فترجمتُ ما قيل على عجل .. ولست أذكر صدقاً كيف ترجمتُ
تلك الجملة ..
وتمَّت المقابلة وأنا
أؤدّي عملي تماماً كما لو كنتُ آلة .. بينما يتردّد صدى تلك الجملة رتيباً مؤلماً
ويضرب جدران جمجمتي دون كلل أو ملل ..
وخرج الرّجل .. وخرجتُ
أنا .. وعندي أمنية واحدة ..
أردت للحظة أن أذهب إليه
.. أمسك بقامته الطّويلة وأهزّ جسده الضّخم بقوة عساه يستيقظ ..
كيف يقول الإنسان
"بالنسبة لي .. بلدي انتهى"؟
كيف بالله عليك!
ألا يبقى الإنسان حيّاً
على أمل العودة مهما ساءت الظّروف؟!
ألا يغمض البعيدُ عينه كلّ
ليلةٍ مستجمعاً دفء وطنه .. متدثراً بطيف الحنين إليه؟
كيف استطاع هذا الرّجل أن
يقتنع بالفكرة؟ وكيف تقبّلها حدّاً يجعله ينطق بها كما لو كانت جواباً عن حالة الطّقس؟
أبهذه السّهولة ينتشل
الإنسان الأمل بالوطن من داخله؟
لست أدري إن كان ذاك
اللاجئ لا زال يذكر حتى اليوم أنه قال هذه الجملة .. لكن أنا أذكر .. أذكر جيداً ..
قلتُ في نفسي .. شيئان لا
ثالث لهما قد يجعلا الإنسان يقول شيئاً كهذا: شدة الألم أوشدة اللامبالاة ..
نعم .. فقد يصل الألم حد
الهذيان وهذا الكلام لا يُصنَّف إلا على أنّه هذيان ..
وأما اللامبالاة فيصعب
عليّ أن أتخيل ما يؤدي إليها .. هل يولد بعض الناس دون حبٍّ لأوطانهم؟
ربّما .. قد يكون عدم حبّ
الوطن هذا عيباً ولادياً .. عاهة خَلْقيّة .. ربّما
..
أيهما يا ترى دفع ذلك
اللاجئ لقول ما قال؟ لا علم لي ..
وتخيلتُ نفسي مكان ذاك
الرجل للحظات .. أحاول أن أفهم كيف يصل الإنسان إلى اعتراف كهذا ..
ليس ما رآه صاحبنا في
العراق بسيطاً .. وليست معاناته التي مرّ بها هيّنة ..
لكن .. مع كل هذا ..
فليعذرني لم أتفهّمه .. لم أقتنع أنّ شيئاً كهذا يخرج من فمٍ في رأسٍ صاحٍ !!
بلدي .. سوريا .. ما رأيت
العودة إليك بعيدة كما أراها اليوم .. وما رأيت الألم فيك كبيراً كما أراه اليوم
.. وما حالت بيني وبينك موانع كما تحول اليوم .. لكن لن يحصل أبداً .. لن يأتي ذاك
اليوم .. لن أجرأ يوماً أن أهذي بهذا الشكل ..
نزار .. أنا أيضاً يعرّش
الياسمين الدمشقي على أضلعي .. أنا أيضاً أمي دمشق ..
سوريا .. أياً كان الألم .. سأعود .. لا بل ستعودين
.. سنعود جميعاً يا وطني الذي لا يعرف النهاية أبداً .. أبداً ..
* مصدر الصورة:
http://nihad.me/project/25/80/Arabic-Calligraphy-Styles/%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A

سأبقى داخل وطني أم أن وطني بداخلي من لاوطن له فهو عريان
ردحذف