تحتاج ممارسة السياسة إلى كثير من المهارات ..
بعضها يتعلمه الممارس نظرياً وأغلبها في ساحة الفعل
..
على أية حال .. أنا هنا
أقدم استراتيجية عمل لمن ينوي أن يصبح رئيس دولة عظمى ..
عزيزي - أو في الغالب لن
تكون عزيزي حينها - لكن بغض النظر .. أيها الرئيس .. حين تُغرِيك خيرات بلد مّا
ولا تستطيع أن تصل إليها تحت شعار "تكامل الاقتصاد" و "التجارة
الحرة" و "عولمة موارد الطاقة" و "التعاون الاقتصادي الدولي"
وما إلى ذلك ..
وحين تستخدم طاغية بلد ما
في تحقيق أهداف إقليمية تهمّك دون أن تلوّث أنت يديك .. ثم تجد ألا حاجة له بعد
الآن ..
وحين تجد أن شعاراً رفعته
كـ "محاربة الإرهاب" مثلاً .. حين تجده فضفاضاً بحيث يمكن أن تفعل تحت رايته أي شيء..
حينها .. إليك ما عليك
فعله:
تحدث ضجة دولية حول ذلك
البلد وذلك الطاغية تحت شعار من الشعارات الدّارجة، ثم تُصعِّد حملتك بشكل تدريجيّ
حذِر، ثم تجمع جيشاً عرمرماً وتسوقه إلى ذاك البلد، ثم تدمّره عن بكرة أبيه، وتحلّ
نظامه السياسيّ وأهم ما يجب حلّه هو جيش ذاك البلد. ثم تضع أسوأ أفراده وأكثرهم
عمالة في مواقع الحكم، وإيّاك ثم إيّاك أن تخرج قبل أن تطمئنّ أنّ الفتنة بين أبناء
الشّعب على أشُدِّها ..
ثمّ .. تعطي حقّ اللّجوء
للهاربين من تلك الفتنة وتستقبلهم على أرض بلدك العظيم! ليس هذا فحسب بل تنفق على
كل واحد منهم لمدة ستّة شهور حتى يستقرّ وتساعده في إيجاد عمل ومسكن ..
عجيبة صحيح؟ هذا بالضبط ما
فعلته أميريكا في العراق ..
وإذا كان كل شيء مفهوماً
في هذه المعادلة فإنّ الخطوة الأخيرة غريبة .. لماذا تعطي الدولة المحتلَّة حق
اللجوء لأبناء الدولة التي احتلّتها؟ أمريكا تستقبل كل عام 80,000 لاجئ وللعراقيّين
أولوية لا تقاربها أية جنسية أخرى.. هذا رقم ضخم وهو بلا منازع أعلى رقم بين دول
العالم .. لكن لمَ؟
كان هذا السؤال يشغلني
طيلة فترة عملي في الترجمة مع الوفد الأمريكي
..
وكنت أراقب وأفكّر دون أن
أبوح بشيء ..
كنت أظن الإجابة بسيطة: هجرة عقول !!
نعم بعض اللاجئين لديهم
قدرات ومهارات ولا زلت أذكر صاحب براءة الاختراع في الفيزياء .. لكن كثيرين آخرين
ليسوا كذلك .. ثم إن من اللاجئين مرضى ولقد مرّت عليّ قضية فيها امرأة في غيبوبة
كاملة .. فعلامَ تأخذ أميريكا مثل هذه؟
ثم قلت: لعلّها إذاً
الدبلوماسية .. ترسم أميريكا لنفسها صورة الوصيّ على العالم .. الحريص على حقوق
الإنسان .. الأخ الكبير الذي يمدّ يد العون هنا وهناك .. ولعل استقبال اللاجئين ما
هو إلا جزء من هذه الاستراتيجيّة ..
لكن تعالوا نفكّر بواقعيّة
.. مَنْ هذا الذي تحتاج أمريكا لتكسب رضاه؟ وهل تتصرف أمريكا في العالم كالمالك في
ملكه بفضل "صورتها الدبلوماسية" أم بفضل قوتها الفعلية في مجالات السلاح
والاقتصاد؟ ولنفترض أنها بالفعل تريد أن ترسم صورة ما، فهل يلزم أن تستقبل 80,000
كل سنة حتى ترسم هذه الصورة؟
ثم بعد حين ناقشت المسألة
مع عدد من العاملين معي
..
كان أحدهم مصراً أن أمريكا
لا تستفيد من استجلاب هؤلاء شيئاً .. وكنتُ أعترض بأنه ليس في السياسة أعمال خيريّة
.. وإذا كان فليس في السّياسة الدولية .. وإذا كان فليس في سياسة أمريكا!!
وقالت أخرى: عمالة رخيصة .. فأقنعتني إلى حد ما ..
لأن من مآسي اللجوء وإعادة
التوطين هو أن هؤلاء اللاجئين لا يعملون بشهاداتهم بل يعملون بأشياء دون مستوى
تعليمهم بكثير ..
فالطبيب قد يعمل في محطة
بنزين .. والمهندس قد يعمل في أحد مطاعم ماكدونلدز .. ويتلقّى هؤلاء أجوراً لا يقبل
بها الأمريكي ابن البلد ..
نعم أقنعتني إلى حد مّا ..
وإذا أردنا الحقّ فإنّ كل الأسباب التي سبق ذكرها صحيحة بنسبٍ متفاوتة ..
فبين هذه الأعداد تمرّ
عقول نيّرة .. ولعلّ الحصول على بعضها يستحق تحمّل الآخرين .. فهي هجرة عقول ..
وأيضاً لابد لأميريكا من
فعل يصدّق خطاباتها الرّنانة هنا وهناك .. وهي وإن كانت لا تحتاج أن ترضي أحداً
فلا يخفى على أرباب سياستها أهمية التّسويق في السّياسة .. فهي أيضاً دبلوماسيّة ..
ومسألة العمالة مهمة إلى
حد كبير .. أن تضع إنساناً متعلماً ومثقفاً في موضع أدنى بكثير من قدراته يعني أن
ترفع الأداء في كل المهن .. وحين يكون اقتصاد الدولة ضخماً كالولايات المتحدة تحتاج
كثيرين من أمثال هؤلاء ..
ويبقى سبب "العمل
الخيري" غير مقنع بالنسبة لي ..
وتبقى هناك أسباب ودوافع
لا أعرفها .. قد يأتي يوم أدركها ..
لكنّ من رأى ليس كمن لم يرى ..
يوماً ما ظننت الأمور أبسط
بكثير ..